في الذكرى السابعة والستين لرحيل أب الأمة محمد الخامس… حين التحم العرش بالشعب وصُنِع فجر الاستقلال
جديدتي 28 فبراير 2026
تحلّ الذكرى السابعة والستون لرحيل جلالة المغفور له محمد الخامس، في محطة وطنية تستدعي استحضار سيرة قائد لم يكن مجرد سلطان اعتلى العرش في ظرفية استعمارية دقيقة، بل رجل دولة صنع مع شعبه لحظة تاريخية فارقة عنوانها الأبرز: ثورة الملك والشعب، التي تحولت إلى معادلة سياسية راسخة في الوجدان المغربي.
في مثل هذه الأيام من سنة 1961، فقد المغرب أحد أبرز رموزه في القرن العشرين، غير أن الرجل لم يرحل من ذاكرة الوطن، لأن سيرته ارتبطت بميلاد الدولة الحديثة، وبانبعاث روح وطنية جسّدت أسمى معاني التضحية والوحدة والوفاء.
سلطان شاب في زمن الحماية
وُلد محمد بن يوسف سنة 1909 بمدينة فاس، في مغرب كان يعيش تحت نظام الحماية المفروض سنة 1912، والذي قيّد السيادة الوطنية وأخضع القرار السياسي لإدارة المقيم العام الفرنسي. وفي سنة 1927، تولى العرش خلفًا لوالده السلطان مولاي يوسف، وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، في سياق دولي وإقليمي شديد التعقيد.
رغم القيود المفروضة على سلطته، لم يرضَ السلطان الشاب أن يكون مجرد واجهة شكلية، بل حرص على تثبيت رمزية المؤسسة الملكية كمرجعية دينية ووطنية، وهو ما جعله يتقاطع تدريجيًا مع مطالب الحركة الوطنية التي بدأت تتبلور بقوة خلال الثلاثينيات والأربعينيات.
وثيقة الاستقلال وخطاب طنجة… إعلان الموقف
شكّل تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 منعطفًا حاسمًا في العلاقة بين السلطان وسلطات الحماية، إذ احتضن محمد الخامس مطالب الوطنيين، وأضفى عليها شرعية سياسية ومعنوية، في خطوة اعتبرتها الإقامة العامة الفرنسية خروجًا عن “الدور المحدد” للعرش.
ثم جاء خطاب طنجة التاريخي في 10 أبريل 1947، الذي أعلن فيه السلطان تمسكه بوحدة المغرب الترابية ورفضه لأي تقسيم أو وصاية، ليكرّس موقعه كقائد سياسي يتحدث باسم شعبه لا باسم سلطة الحماية. ذلك الخطاب لم يكن مجرد بيان سياسي، بل إعلانًا صريحًا بأن المغرب يتجه نحو استعادة سيادته كاملة.
20 غشت 1953… شرارة ثورة الملك والشعب
في 20 غشت 1953، أقدمت سلطات الحماية على خطوة خطيرة تمثلت في عزل السلطان الشرعي ونفيه رفقة أسرته، في محاولة لكسر إرادة المقاومة وإعادة هندسة المشهد السياسي وفق مصالحها. تم نفيه أولًا إلى كورسيكا، ثم إلى مدغشقر، بينما نُصّب سلطان صوري مكانه.
غير أن ما خططت له الإدارة الاستعمارية كضربة قاضية، تحوّل إلى شرارة انتفاضة وطنية عارمة. فقد اندلعت المقاومة المسلحة في مختلف مناطق المغرب، وتحوّل يوم 20 غشت إلى رمز لـثورة الملك والشعب، تلك اللحظة التي انصهر فيها العرش في وجدان الأمة، وأصبح السلطان المنفي عنوانًا لشرعية لا يمكن تعويضها.
لقد أثبتت تلك المرحلة أن العلاقة بين محمد الخامس وشعبه لم تكن علاقة حكم تقليدية، بل عقدًا نضاليًا متبادلاً، يقوم على الثقة والالتزام المشترك بتحرير الوطن.
العودة المظفرة وبزوغ فجر الاستقلال
تحت ضغط المقاومة الداخلية والتحولات الدولية، اضطرت فرنسا إلى فتح باب التفاوض، لتفضي المشاورات إلى عودة محمد الخامس من المنفى في 16 نونبر 1955، في مشهد تاريخي مهيب جسّد انتصار الإرادة الوطنية.
لم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى أعلن المغرب استقلاله في 2 مارس 1956، لتُطوى صفحة الحماية الفرنسية، ثم استُكملت الوحدة الترابية تدريجيًا باسترجاع المنطقة الخليفية بالشمال ومدينة طنجة الدولية.
وفي سنة 1957، اتخذ محمد الخامس لقب “الملك”، إيذانًا بمرحلة جديدة عنوانها الانتقال من السلطنة التقليدية إلى الملكية الحديثة، القائمة على مؤسسات الدولة وسيادة القانون.
بناء الدولة… من رمزية التحرير إلى هندسة المؤسسات
بعد الاستقلال، واجه المغرب تحديات جسيمة: توحيد الإدارة، مغربة القطاعات الحيوية، تأسيس جيش وطني، وإرساء مؤسسات دستورية حديثة. وقد قاد محمد الخامس هذه المرحلة بروح توافقية، حريصًا على الحفاظ على وحدة الصف الوطني، وموازنًا بين متطلبات التحديث والحفاظ على الهوية.
عمل على تأسيس القوات المسلحة الملكية، وتعزيز حضور المغرب في المحافل الدولية، وترسيخ مكانته ضمن الدول العربية والإفريقية المستقلة حديثًا، واضعًا بذلك اللبنات الأولى لدولة ذات سيادة كاملة.
رحيل مفاجئ… وأمة في حداد
في 26 فبراير 1961، وافته المنية إثر مضاعفات عملية جراحية، في حدث صدم المغاربة الذين كانوا يرون فيه رمز التحرير والوحدة. خرجت حشود غفيرة في الرباط ومدن أخرى في جنازة مهيبة جسّدت حجم المحبة التي كان يحظى بها.
تولى العرش بعده ولي عهده الحسن الثاني، الذي واصل مسار بناء الدولة، قبل أن يتسلم المشعل لاحقًا محمد السادس، في استمرارية تعكس خصوصية النموذج المغربي القائم على تلاحم العرش والشعب.
إرث خالد ومعادلة مستمرة
بعد سبعة وستين عامًا على رحيله، ما يزال محمد الخامس حاضرًا كرمز للوحدة الوطنية، وكعنوان لمرحلة صنعت هوية المغرب الحديث. فقد رسّخ معادلة سياسية فريدة في المنطقة، تقوم على شرعية تاريخية متجذرة، وانحياز واضح لإرادة الشعب، وتوازن دقيق بين الأصالة والتحديث.
إن استحضار ذكرى رحيله اليوم ليس مجرد وقفة تاريخية، بل هو تجديد للعهد مع قيم التضحية والوفاء، وتذكير بأن الاستقلال لم يكن هبة، بل ثمرة تلاحم نادر بين ملك وشعب آمن كل منهما بالآخر.
في زمن التحولات الكبرى، يبقى محمد الخامس مدرسة في القيادة الوطنية، ورمزًا لمرحلة أثبتت أن قوة الأمم تكمن في وحدتها، وأن الشرعية الحقيقية تُبنى على الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم.
وهكذا، يظل “أب الأمة” عنوانًا خالدًا في سجل المغرب، ورمزًا لثورة لم تكن مجرد حدث عابر، بل لحظة تأسيسية صنعت مستقبل وطن بأكمله.
