“مارشي النصارى” بالجديدة… من قلب نابض للحياة إلى فضاء يئن تحت وطأة الإهمال

661462520_1403429095156895_3480415653285223393_n

لم يعد السوق المركزي “مارشي النصارى” بالجديدة كما كان في ذاكرة المدينة ووجدان ساكنتها، بعدما تحول من معلمة اقتصادية نابضة بالحياة إلى فضاء يختنق تحت ثقل الإهمال والتدهور، في مشهد يختزل أعطاب التدبير المحلي واختلالات الرؤية في التعامل مع الفضاءات الحيوية ذات الرمزية التاريخية. هذا السوق، الذي كان لعقود قبلة لعشاق السمك والمنتجات البحرية، ووجهة مفضلة لزوار المدينة من مختلف ربوع المملكة، أصبح اليوم عنواناً بارزاً للتراجع، بعدما فقد بريقه وتحول إلى نقطة سوداء تطرح أكثر من سؤال حول مصيره.

واقع السوق الحالي يكشف حجم الأزمة، حيث البنيات التحتية المتآكلة، وغياب شروط النظافة، والفوضى في توزيع الأنشطة، إلى جانب انعدام رؤية واضحة لإعادة تأهيله، كلها عوامل ساهمت في تدهور صورته، ليس فقط لدى الزوار، بل حتى لدى المهنيين الذين يشتغلون داخله في ظروف لا تليق بمدينة تطمح إلى استعادة إشعاعها الاقتصادي والسياحي. ولم يعد الأمر يتعلق بمجرد تراجع ظرفي، بل بأزمة بنيوية تعكس سنوات من الإهمال وغياب التدخلات الجدية.

هذا التدهور لم ينعكس فقط على الجانب الجمالي أو التنظيمي، بل امتد تأثيره إلى الرواج الاقتصادي، حيث فقد السوق تدريجياً جاذبيته، وتراجع الإقبال عليه، ما أثر بشكل مباشر على مداخيل التجار، وعلى الدينامية التجارية التي كانت تميز هذا الفضاء. كما أن استمرار هذا الوضع يهدد بفقدان أحد أهم المكونات التاريخية للمدينة، في ظل غياب مبادرات ملموسة تعيد له الاعتبار.

في خضم هذه الوضعية، برزت في الآونة الأخيرة مؤشرات على توجه جديد في تدبير الشأن المحلي، من خلال إحداث آليات تنفيذية حديثة من قبيل الشركة الجهوية للتنمية، التي يعول عليها لتجاوز أعطاب الماضي، وفتح أوراش إصلاحية كبرى، من بينها ملف تأهيل السوق المركزي. هذه الآلية الجديدة تطرح كخيار عملي لتسريع تنزيل المشاريع، بعيداً عن تعقيدات المساطر التقليدية التي ظلت تعرقل مثل هذه الأوراش لسنوات.

غير أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بتبني مقاربة شمولية تتجاوز منطق الترميم الجزئي، نحو إعادة تصور الفضاء بشكل كامل، عبر مشروع هندسي حديث يحافظ على الطابع التاريخي للسوق، ويمنحه في الآن ذاته نفساً جديداً يتماشى مع متطلبات العصر. وفي هذا الإطار، يبرز مقترح إعادة بناء السوق في شكل بناية متعددة الطوابق، ما بين طابقين إلى ثلاثة، كخيار يمكن أن يعيد تنظيم الفضاء، ويوفر شروطاً أفضل لممارسة الأنشطة التجارية.

كما أن التمويل يشكل أحد أبرز التحديات، إذ لم يعد من الممكن تحميل جماعة الجديدة وحدها كلفة هذا المشروع، ما يفرض اعتماد مقاربة تشاركية تشمل المجلس الإقليمي، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى جانب البحث عن شراكات مع فاعلين اقتصاديين، لضمان تمويل مستدام يواكب طموح المشروع. وفي السياق ذاته، يطرح خيار تنظيم مباراة وطنية للمهندسين المعماريين كمدخل لإبداع تصورات جديدة قادرة على تحويل السوق إلى معلمة حضرية حديثة.

ويأتي هذا التوجه في إطار رؤية أشمل يقودها عامل إقليم الجديدة، سيدي صالح داحا، الذي يسعى إلى إطلاق دينامية تنموية جديدة تعيد الاعتبار لمختلف مرافق المدينة، وتؤسس لمرحلة قوامها الحكامة والنجاعة في التنفيذ. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق الوعود أو تقديم التصورات، بل في القدرة على التنزيل الفعلي، وقطع الطريق أمام تكرار سيناريوهات التعثر التي طبعت مشاريع سابقة.

اليوم، يقف “مارشي النصارى” عند مفترق طرق حاسم: إما أن يتم إنقاذه عبر مشروع تأهيلي جريء يعيد له مكانته كرافعة اقتصادية وسياحية، أو أن يستمر في الانحدار، ليصبح مجرد ذكرى في ذاكرة مدينة فقدت أحد أبرز رموزها. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان معلقاً على إرادة حقيقية في التغيير، وعلى قدرة مختلف المتدخلين على تحويل هذا الورش إلى قصة نجاح تعيد للجديدة جزءاً من بريقها المفقود.

About The Author