من أزمور إلى عمق دكالة… “أم الربيع” يعود حيويًا بعد أمطار الخير ويمنح بوادر موسم فلاحي واعد
شهد نهر أم الربيع، الذي يشقّ أراضي مدينة أزمور بإقليم الجديدة، ارتفاعًا معتبرًا في منسوب مياهه خلال الأيام الماضية، بفعل التساقطات المطرية الغزيرة التي عرفتها المنطقة وخصوصًا بعد تجاوز تدفق المياه لحقينة سد الضاوي. في مشهد يعبّر بوضوح عن الخير الذي حملته الأمطار، بدا الوادي وقد استعاد بعض حيويته الطبيعية، فيما التقطت عدسات المزارعين وأهالي المنطقة لحظات تجمع المياه عند قاعدة القنطرة الفاصلة بين أزمور ودوّار سيدي علي بن حمدوش، في دلالات أولية على بداية موسم فلاحي واعد بعد سنوات كانت فيها المياه شحيحة في بعض الفترات.
ولعلّ ما يجذب الانتباه في هذا التحوّل الميداني هو التزامن بين ارتفاع منسوب مياه النهر وتسوّل منظومة السدود لتدبير مناسب للموارد المائية، في ظل التساقطات التي تهاطلت بقوة على مختلف مناطق إقليم الجديدة والجهات المجاورة. فبعد لجوء السدود إلى التخزين لمواكبة احتياجات السكان والفلاحة، جاءت أمطار الخير لتعزز المخزون المائي وتسهم في تنشيط جريان الأودية والأنهار ضمن دورة بيئية متجددة.
من نقاط الإيجابية التي لوحظت هو أن مياه نهر أم الربيع لم تقتصر على مسار جريان سطحي فقط، بل امتد تأثيرها إلى الأراضي الفلاحية المجاورة، ما أسعد قلوب المزارعين الذين كانوا يترقبون مطرًا يتنزل بوفرة ليُعيد الحياة إلى الحقول والضيعات، ويعيد الأمل إلى موسم فلاحي قد يكون له شأنٌ مهم في تنشيط النشاط الزراعي في الإقليم، الذي تعتمد فيه فلاحة الدكالة على دورة مياه منتظمة تعزز الإنتاج وتؤمن موارد العيش.
وقد أثّرت هذه التساقطات بشكل إيجابي غير محدود فقط على النهر ذاته، بل امتد تأثيرها إلى شبكة السواقي والقنوات الفلاحية في محيط أزمور وسائر جماعات الإقليم، مما سيعزز من إمكانيات الاستفادة من المياه في زراعة الحبوب والبقول والفواكه، وهو ما ينشده الفلاحون منذ بداية الموسم للمحافظة على الاستقرار الإنتاجي.
وفي السياق نفسه، يرى الفاعلون المحليون أن موسم الأمطار الذي أعقب شهوراً من الجفاف النسبي، يفتح الأبواب أمام تحسن الظروف الاقتصادية للفلاحة العائلية والفلاحين الصغار، الذين يعتمدون بشكل مباشر على الماء فيريّضون الأرض ويزرعونها بأنواع متعددة من المحاصيل. فالنهر الذي يعود بقوة، يعيد معه دورة حياة قد تثمر في جمع خير ووفرة، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على السوق المحلية وتغذية الأسر داخل الإقليم.
أما على صعيد إقليم الجديدة بشكل عام، فقد أظهرت التساقطات المطرية الأخيرة قدرة المنظومة البيئية على استيعاب كميات المياه التي تدفّقت عبر مجموعة من الأودية الصغيرة والمتوسطة، الأمر الذي ساهم في ضخ دماء جديدة في موارد المحافظة على التنوع البيولوجي للمنطقة، بما يشمل الغطاء النباتي والحياة الفطرية المتصلة به. كما ساعدت مياه الأمطار في دعم مخزون السدود الكبرى بالإقليم، ما يسهم في ضمان استدامة الموارد المائية خلال فترات الجفاف القادمة، ويمنح فرصة لتحسين التخطيط المائي للفترة المقبلة.
وفي قراءة ميدانية أخرى، يرى مختصون أن ارتفاع منسوب مياه نهر أم الربيع والنشاط الذي يظهر في الأحواض المائية المحيطة يمكن أن يكون بشارة لبداية دورة فلاحية جديدة، بعد أن عرف الموسم الفلاحي الأخير بعض التحديات المتعلقة بندرة مياه الأمطار في مراحل معينة. ومع هذا التغيير الإيجابي في المشهد البيئي، يتطلّع الفلاحون إلى بوادر إنتاج وفير، مع توقعات بأن تتعزز النباتات الطبيعية والأعشاب، وهو ما يعزز بدوره التوازن الإيكولوجي.
غير أن ذلك لا يمنع من التأكيد على أهمية التدبير الجيّد للموارد المائية واستثمار هذه اللحظة المباركة في برامج تنموية تدعم الفلاحة المستدامة، وتواكبها بخطط لتخزين المياه وتحسين شبكات السقي، إلى جانب دعم الساكنة بالتكوين والتجهيزات التي تضمن تحسين مردودية الزراعة، والحد من الهدر في الموارد.
في النهاية، يبقى نهر أم الربيع ليس مجرد مجرى مائي يفيض بالمياه بعد الأمطار، بل رمزًا لعودة الأمل، وتجسيدًا لقدرة الطبيعة على استعادة توازنها، في انتظار أن تتحوّل هذه البدايات إلى واقع فلاحي مستدام يعزز منسوب النمو الاقتصادي والاجتماعي في إقليم الجديدة ويؤكد أن ما تنعم به المنطقة من ثروات طبيعية مؤهّلة لتكون رافعة حقيقية نحو تنمية شاملة ومستقرة.
