سيدي صالح داحا في قلب أكبر اختبار جماهيري بالجديدة.. عامل الإقليم ينزل إلى الميدان ومولاي عبد الله أمغار يختم ثمانية أيام بـ«ولد الحوات» والشهب الاصطناعية

WhatsApp Image 2026-08-15 at 10.45.23

أسدل الستار، مساء الجمعة 14 غشت 2026، على فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار بإقليم الجديدة، بعد ثمانية أيام من التبوريدة والفروسية والعروض التراثية والسهرات الفنية والأنشطة الدينية والثقافية، في دورة أكدت مرة أخرى أن هذا الموعد لم يعد مجرد موسم محلي، وإنما أصبح تظاهرة جماهيرية كبرى تستقطب ملايين الزوار وتفرض على الإدارة الترابية والقوات العمومية والجهات المنظمة تعبئة استثنائية.

وجاءت الليلة الختامية في مستوى حجم الحدث، بعدما احتشد جمهور غفير لمتابعة السهرة التي أحياها الفنان الشعبي سعيد أولاد الحوات، وسط حضور جماهيري تجاوز نصف مليون شخص وفق التقديرات المتداولة، قبل أن تختتم الأمسية بعروض الشهب الاصطناعية التي أضاءت سماء مولاي عبد الله، في مشهد احتفالي أسدل الستار على دورة امتدت من 7 إلى 14 غشت.

ويؤكد الموقع الرسمي للموسم أن التظاهرة تستقطب سنوياً أكثر من خمسة ملايين زائر، فيما كشفت المعطيات التي قدمت خلال الندوة الصحفية الخاصة بدورة 2026 عن توقع استقبال نحو ستة ملايين زائر، مع نصب حوالي 35 ألف خيمة ومشاركة أكثر من 2200 فارس ومشارك و123 سربة، إلى جانب برنامج فني وتراثي وديني متنوع.

سيدي صالح داحا.. العامل الذي اختار الميدان

لكن بعيداً عن المنصة والفنانين وأضواء الشهب الاصطناعية، برز خلال هذه الدورة عنصر آخر في مشهد التدبير، يتعلق بالحضور الميداني لعامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا، الذي واكب مختلف مراحل الموسم، ونزل إلى ساحاته وفضاءاته لمتابعة سير العمليات التنظيمية والأمنية عن قرب.

ولم يكن حضور عامل الإقليم مجرد حضور بروتوكولي مرتبط بالمناسبات الرسمية، بل اتخذ طابعاً ميدانياً واضحاً، في ظل حجم التدفق البشري الذي تعرفه جماعة مولاي عبد الله خلال أيام الموسم، والذي يحول المنطقة إلى فضاء استثنائي يحتاج إلى إدارة دقيقة وحضور مستمر لمختلف أجهزة الدولة.

داحا، باعتباره رجل الإدارة الترابية الأول بالإقليم، وجد نفسه أمام واحدة من أصعب المهام التي يمكن أن تواجه مسؤولاً ترابياً: تدبير تظاهرة تستقبل ملايين الأشخاص خلال فترة زمنية قصيرة، وتتوزع فيها الحشود بين فضاءات التبوريدة والسهرات والأسواق والخيام ومختلف المرافق.

وهنا تحديداً برزت قيمة الحضور في الميدان.

من البذلة الرسمية إلى الحذاء العسكري.. المسؤول وسط رجاله

من أبرز الصور التي طبعت هذه الدورة نزول عامل الإقليم إلى الميدان بلباس عملي وحذاء عسكري، بعيداً عن البذلة الرسمية والمظاهر البروتوكولية، والوجود إلى جانب مختلف مكونات القوات العمومية والسلطات المحلية والمصالح المتدخلة.

الصورة لم تكن مجرد تفصيل شكلي، وإنما عكست طبيعة المهمة التي فرضها موسم بهذا الحجم.

ففي مواجهة حشود ضخمة، لا تكفي التقارير المكتوبة ولا الاجتماعات المغلقة. هناك حاجة إلى مسؤول يرى الواقع بعينه، ويتابع حركة الجماهير، ويقف على نقاط الضغط، ويتواصل مع المسؤولين الميدانيين، ويتابع جاهزية مختلف الأجهزة، ويواكب التدخلات عند الحاجة.

وهذا بالضبط ما جعل حضور سيدي صالح داحا في الميدان واحداً من العناوين البارزة لهذه الدورة.

فالعامل لم يكتف بتدبير الموسم من داخل المكاتب، وإنما اختار أن يكون وسط الحدث، إلى جانب القوات التي كانت مطالبة بتأمينه، وهو ما يعكس تصوراً للإدارة الترابية يقوم على القرب واليقظة وسرعة التدخل.

ستة ملايين زائر.. أرقام تجعل التنظيم امتحاناً للدولة

الأرقام التي رافقت دورة 2026 تكشف وحدها حجم المسؤولية.

فالحديث عن نحو ستة ملايين زائر خلال الموسم، وعن آلاف الفرسان وعشرات الآلاف من الخيام، يعني أن إقليم الجديدة كان أمام تدفق بشري هائل، يتطلب تنسيقاً متواصلاً في الأمن والسير والصحة والنظافة والوقاية المدنية والخدمات.

وقد أعلنت الجهة المنظمة أن دورة هذه السنة تستهدف استقبال حوالي ستة ملايين زائر، مع رصد 36 مليون درهم لتعزيز البنية التحتية والشبكات ومواكبة النمو الكبير الذي تعرفه التظاهرة.

وهذه الأرقام لا تعني فقط جمهوراً كبيراً يستمتع بالفرجة، بل تعني أيضاً ملايين التحركات البشرية، وآلاف المركبات، ومئات نقاط التجمع، ومئات العمليات اللوجستية والأمنية التي يجب تدبيرها في وقت واحد.

ومن هنا يصبح نجاح الموسم في حد ذاته مؤشراً على قدرة مختلف المصالح على العمل المشترك تحت ضغط جماهيري كبير.

القوات العمومية.. عمل متواصل خلف المشهد

وبينما كانت عدسات الكاميرات تركز على الفرسان والفنانين والجمهور، كانت مختلف مكونات القوات العمومية تشتغل في صمت على تأمين الفضاءات وتنظيم حركة المواطنين ومواكبة التظاهرة.

الدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والسلطات المحلية والوقاية المدنية ومختلف المصالح المتدخلة وجدت نفسها أمام مسؤولية مضاعفة: حماية الجمهور، وتأمين السهرات، وتنظيم حركة السير، وتأمين فضاءات التبوريدة، ومواكبة عمليات الدخول والخروج، والتدخل السريع في الحالات التي تستوجب ذلك.

وفي مثل هذه التظاهرات، فإن النجاح الأمني الحقيقي لا يقاس فقط بما يظهر من تدخلات، وإنما بما يتم منعه قبل أن يتحول إلى مشكلة.

فمرور حشود ضخمة عبر فضاءات محددة دون انهيار في حركة السير أو اضطراب في تنظيم السهرات يتطلب انتشاراً وتنسيقاً ومراقبة واستباقاً متواصلاً.

وهنا تبرز أهمية القيادة الترابية التي تضع مختلف الأجهزة أمام هدف واحد: حماية المواطنين وضمان استمرار التظاهرة في ظروف آمنة ومنظمة.

داحا.. علو كعب رجل الإدارة الترابية في تدبير الحشود

موسم مولاي عبد الله أمغار كان بالنسبة إلى سيدي صالح داحا اختباراً حقيقياً لقدرة رجل الإدارة الترابية على تدبير الحشود في واحدة من أكثر المناسبات الجماهيرية كثافة بالمغرب.

والميزة الأبرز في هذه التجربة أن العامل لم يتعامل مع الموسم كحدث ينتهي بانتهاء حفل رسمي أو زيارة بروتوكولية، وإنما واكب تفاصيله على امتداد الأيام الثمانية، متنقلاً بين فضاءات التظاهرة، ومتابعاً عمل مختلف المتدخلين، وحاضراً في لحظات الذروة.

وهذا النوع من الحضور يمنح الإدارة الترابية قدرة أكبر على قراءة الواقع واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

ففي موسم يعرف تدفقات بشرية ضخمة، قد تتحول نقطة اختناق صغيرة إلى مشكلة كبيرة خلال دقائق، وقد يتطلب الأمر قراراً سريعاً لإعادة تنظيم مسار أو تعزيز حضور أمني أو معالجة وضع طارئ.

ومن هنا يمكن القول إن داحا أظهر خلال هذه الدورة حضوراً ميدانياً قوياً، وقدم صورة لرجل الإدارة الذي يفضل مواجهة الواقع مباشرة بدل الاكتفاء بتلقي التقارير.

الموسم ليس تبوريدة فقط

رغم أن التبوريدة تظل قلب موسم مولاي عبد الله أمغار وأبرز رموزه، فإن الدورة الحالية قدمت برنامجاً أوسع يضم السهرات الفنية والأنشطة الدينية والثقافية وعروض الصيد بالصقور وفنون الحلقة والفضاءات المخصصة للأطفال والمعارض والمنتجات المحلية.

ويؤكد البرنامج الرسمي أن الموسم امتد على ثمانية أيام، مع تخصيص كل يوم لمجموعة من الأنشطة، فيما عرفت المنصة الفنية مشاركة أسماء عديدة، وكان سعيد أولاد الحوات ضمن برنامج الليلة الختامية إلى جانب منير النواوي ودريس بوعزاوي.

وبذلك تحول الموسم إلى فضاء متعدد الأبعاد، يجمع بين التراث والفرجة والثقافة والاقتصاد المحلي، ويستقطب جمهوراً لا يأتي فقط لمشاهدة التبوريدة، وإنما للاستمتاع بمختلف مكونات التظاهرة.

ولد الحوات يشعل الختام

وفي النهاية الفنية لهذا المشهد الكبير، كان سعيد أولاد الحوات عنوان الليلة الأخيرة.

اعتلى الفنان الشعبي المنصة وسط حشود جماهيرية هائلة، في سهرة اختيرت لتكون مسك ختام ثمانية أيام من الفعاليات.

ومع وصول السهرة إلى نهايتها، جاءت عروض الشهب الاصطناعية لتمنح الجمهور لحظة احتفالية أخيرة، وتحول سماء مولاي عبد الله إلى لوحة مضيئة، قبل أن يبدأ تدريجياً مشهد مغادرة الجماهير.

وبذلك اكتملت الصورة: الفنان فوق المنصة، الجمهور في الساحات، الشهب في السماء، والقوات العمومية والسلطات تواصل مهامها على الأرض حتى خروج آخر الحشود.

موسم مولاي عبد الله.. اقتصاد يتحرك مع كل ليلة

الحضور الجماهيري الهائل لا ينعكس فقط على الفرجة، بل يخلق دينامية اقتصادية كبيرة.

فآلاف التجار وأصحاب المقاهي والمطاعم وأرباب النقل وأصحاب الخيام ومقدمو الخدمات والحرفيون يستفيدون من الحركة التي يخلقها الموسم، فيما تتحول المنطقة خلال أيام قليلة إلى مركز اقتصادي وتجاري كبير.

ولهذا فإن تطوير الموسم وتنظيمه لم يعد مسألة مرتبطة بالتراث فقط، وإنما أصبح أيضاً رهاناً اقتصادياً وتنموياً بالنسبة إلى جماعة مولاي عبد الله وإقليم الجديدة.

وقد أكدت الجهة المنظمة أن الرؤية الجديدة للدورة تروم الارتقاء بالموسم إلى مستوى تظاهرة وطنية ودولية كبرى، مع الحفاظ على موروثه الثقافي وتعزيز انفتاحه على المحيط.

نجاح جماعي.. وقيادة ترابية في الواجهة

ومن المهم التأكيد أن نجاح موسم بهذا الحجم لا يمكن نسبته إلى شخص واحد.

فوراء هذه الدورة شبكة واسعة من المصالح والأجهزة والمتدخلين، من سلطات محلية وقوات عمومية ومصالح صحية ووقاية مدنية ومنظمين وجماعة ترابية ومجلس إقليمي ومجلس علمي وفرق تقنية ولوجستية.

لكن في قلب هذا العمل الجماعي تظل السلطة الإقليمية مطالبة بالتنسيق والتوجيه والمواكبة، وهنا كان حضور عامل الإقليم حاسماً في إعطاء التدبير الميداني زخمه.

سيدي صالح داحا اختار أن يكون حاضراً حيث يوجد الضغط الحقيقي، وأن يتابع الموسم من ساحاته، وأن يواكب القوات العمومية بدل الاكتفاء بالوقوف على مسافة من الحدث.

وهذا تحديداً ما يمنح صورة عامل الإقليم بعداً مختلفاً: رجل إدارة ترابية ينزل إلى الميدان عندما تكون الحاجة إلى القرار والحضور أكبر من الحاجة إلى البروتوكول.

ثمانية أيام تحت الاختبار

ثمانية أيام من التظاهرة تعني ثمانية أيام من الاستنفار المتواصل.

كل يوم له جمهوره، وكل ليلة لها ذروتها، وكل سهرة تفرض ترتيباتها، وكل عرض للتبوريدة يحتاج إلى فضاء آمن ومنظم، وكل موجة جماهيرية تحتاج إلى تدبير.

ومنذ 7 غشت وحتى 14 منه، ظل الموسم في حالة حركة مستمرة، قبل أن يصل إلى ذروته في اليوم الأخير.

واللافت أن الختام لم يكن مجرد نهاية فنية، وإنما كان تتويجاً لمسار تنظيمي طويل، ظهر فيه دور مختلف الأجهزة التي ظلت تعمل خلف الكواليس حتى آخر لحظة.

عامل الجديدة.. من مكتب الإدارة إلى قلب الحدث

في النهاية، يمكن القول إن موسم مولاي عبد الله أمغار 2026 لم يكن مجرد اختبار للمنظمين أو الفنانين أو الفرسان، بل كان اختباراً حقيقياً للإدارة الترابية بإقليم الجديدة.

وقد اختار سيدي صالح داحا أن يخوض هذا الاختبار من الميدان، متخلياً عن الصورة التقليدية للمسؤول الذي يظهر فقط في المناسبات الرسمية، ومفضلاً النزول إلى ساحات الموسم ومتابعة تفاصيل الحدث إلى جانب القوات العمومية والسلطات والمصالح المتدخلة.

ومع أكثر من خمسة ملايين زائر سنوياً وفق الموقع الرسمي للموسم، وتوقعات دورة 2026 التي قاربت ستة ملايين، فإن حجم المهمة يكشف لماذا كان الحضور الميداني لعامل الإقليم مهماً في هذه الدورة.

لقد كان سيدي صالح داحا، خلال هذه الأيام الثمانية، أمام واحد من أكبر تحديات الإدارة الترابية: كيف تحافظ على الأمن والنظام والانسيابية في فضاء يستقبل ملايين المواطنين، وفي الوقت نفسه تترك لهم مساحة كاملة للاستمتاع بالتراث والفن والفرجة.

والصورة التي بقيت من الختام تختصر المشهد كله: سعيد ولد الحوات يغني أمام حشد جماهيري هائل، الشهب الاصطناعية تضيء السماء، والجمهور يعيش لحظة الاحتفال، فيما كانت القوات العمومية والسلطات تواصل عملها على الأرض.

أما عامل إقليم الجديدة، فاختار أن يكون في المكان الذي يصنع فيه النجاح فعلياً: الميدان.

وهنا تكمن إحدى أبرز خلاصات دورة 2026: أن تدبير موسم بحجم مولاي عبد الله أمغار لا يحتاج فقط إلى إمكانات كبيرة، بل إلى قيادة ترابية حاضرة، وتنسيق متواصل، وقوات عمومية مستنفرة، وإدارة قادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

وفي هذه الدورة، قدم سيدي صالح داحا نفسه كرجل ميدان في مواجهة واحد من أكبر التدفقات الجماهيرية التي يعرفها المغرب، فيما أثبتت مختلف المصالح والقوات العمومية أن وراء كل سهرة ناجحة، وكل عرض للتبوريدة، وكل لحظة فرح، عملاً أمنياً وتنظيمياً ولوجستياً ضخماً لا تراه الجماهير، لكنه يصنع في النهاية نجاح التظاهرة.

About The Author