الجديدة الكبرى.. منطق المشاريع المتفرقة إلى رؤية تنموية متكاملة يقودها سيدي صالح داحا

images (3)

لم تعد التنمية في إقليم الجديدة مجرد أوراش متفرقة يجري الإعلان عنها من مناسبة إلى أخرى، بل بدأت تتشكل ملامح رؤية أوسع تقوم على تجميع المشاريع وربطها بالبنية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية للإقليم، وهو تحول يضع عامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا أمام مهمة أساسية تتمثل في تحويل تعدد المتدخلين والشركاء إلى قوة فعلية قادرة على تسريع الإنجاز وتحقيق أثر ملموس على حياة السكان.

وتبرز في هذا السياق فكرة «الجديدة الكبرى» التي أصبحت مرتبطة ببرنامج تنموي واسع يتجاوز حدود مدينة الجديدة إلى محيطها الترابي، ويستهدف تأهيل الفضاءات الحضرية والساحلية، وتقوية الجاذبية الاقتصادية والسياحية، وتحسين جودة المجال العام. ووفق معطيات منشورة حول الاتفاقية المرتقبة، فإن الغلاف المالي للمشاريع يتجاوز 1.2 مليار درهم، مع تعبئة عدد من المؤسسات العمومية والمنتخبة وشركاء من القطاع الخاص.

داحا.. هندسة للتنمية بدل الاكتفاء بتدبير الملفات

ما يلفت في هذه الدينامية هو أن دور العامل لا يظهر فقط في ترؤس الاجتماعات أو إعطاء الانطلاقة للأوراش، وإنما في القدرة على جمع المؤسسات حول تصور واحد للتنمية. وهذه نقطة أساسية في إقليم بحجم الجديدة، حيث تتقاطع اختصاصات العمالة والجماعات الترابية ومجلس الجهة والمؤسسات العمومية والقطاع الاقتصادي.

وتكشف المعطيات المتوفرة أن سيدي صالح داحا اشتغل منذ توليه مسؤولية الإقليم على منطق التتبع الميداني للمشاريع، إذ شارك في زيارات ميدانية رفقة رئيس مجلس جهة الدار البيضاء-سطات ومدير الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، للوقوف على تقدم أوراش تشمل تهيئة شارع جبران خليل جبران، وتأهيل مركز البير الجديد، ومشروع المنطقة الصناعية بالغديرة الممتدة على نحو 257 هكتاراً.

والأهمية هنا لا تكمن في الزيارة في حد ذاتها، وإنما في طبيعة الملفات التي يجري تتبعها: بنية تحتية، مناطق صناعية، جودة الأشغال، آجال التنفيذ، الاستثمار وفرص الشغل. أي أن التنمية يجري النظر إليها باعتبارها منظومة مترابطة، لا مجموعة مشاريع منفصلة.

المنطقة الصناعية بالغديرة.. رهان على الاقتصاد وفرص الشغل

من بين أكثر المشاريع دلالة على التحول الذي يمكن أن تعرفه الجديدة، مشروع المنطقة الصناعية بالغديرة، الذي يمتد على مساحة تقارب 257 هكتاراً، ويستهدف توفير بنية تحتية وخدمات ملائمة لاستقطاب الأنشطة الصناعية وتعزيز تنافسية الإقليم.

وهذا المشروع، في حال تسريع وتيرة إنجازه واستكمال شروطه، يمكن أن يشكل أحد المفاتيح الاقتصادية للجديدة، لأنه ينقل النقاش من مجرد تحسين المشهد الحضري إلى خلق بيئة إنتاج واستثمار قادرة على توليد الثروة وفرص الشغل. وقد ربطت المعطيات المتعلقة بالمشروع بينه وبين إحداث أقطاب صناعية جديدة وتحسين مستوى الدخل وخلق آلاف فرص الشغل.

وهنا تظهر أهمية العمل الترابي الذي يقوده عامل الإقليم، لأن مثل هذه المشاريع لا تنجح بقرار إداري منفرد، وإنما تحتاج إلى تنسيق طويل النفس بين العقار والتجهيز والاستثمار والجماعات والجهة والمؤسسات الاقتصادية.

الجديدة الكبرى.. أكثر من تهيئة حضرية

الاتفاقية التي يجري التحضير لها تحت عنوان «الجديدة الكبرى» تكتسي أهمية خاصة لأنها تقترح الانتقال من التعامل مع المدينة كجزيرة منفصلة إلى تصور يربط الجديدة بمحيطها، بما يشمل مناطق مثل مولاي عبد الله والحوزية وأزمور، ضمن رؤية تستهدف تعزيز الجاذبية الاقتصادية والسياحية وتأهيل الفضاءات الحضرية والساحلية.

وهذا النوع من المشاريع يحتاج إلى مسؤول ترابي قادر على إدارة التوازن بين مطالب المدينة وحاجيات الجماعات المجاورة، وبين الاستثمار والحفاظ على المجال، وبين المشاريع ذات المردودية الاقتصادية والمشاريع ذات الأثر الاجتماعي.

ومن هنا يمكن فهم أهمية تحرك عامل الإقليم نحو تعبئة رؤساء الجماعات والمؤسسات المعنية للمصادقة على اتفاقيات الشراكة، لأن حجم الغلاف المالي وحده لا يكفي؛ الأهم هو وجود آلية مؤسساتية تضمن التنسيق والتنفيذ والمتابعة.

التنمية الاجتماعية حاضرة بقوة

الدينامية التنموية في الجديدة لا تتوقف عند الطرق والمناطق الصناعية والواجهات الحضرية. فقد شهد الإقليم أيضاً خلال يوليوز إطلاق مشاريع اجتماعية مهمة تحت إشراف سيدي صالح داحا، من بينها مشاريع موجهة للأشخاص في وضعية إعاقة.

ومن أبرزها برنامج اقتناء وتوزيع معينات طبية بكلفة تناهز 580 ألف درهم لفائدة 112 شخصاً، فضلاً عن برنامج أشمل بلغت كلفته نحو 1.66 مليون درهم. كما جرى إطلاق مشروع بناء المقر الجديد للمجلس الإقليمي للجديدة بكلفة تفوق 25.5 مليون درهم، على مساحة إجمالية تبلغ 4400 متر مربع.

هذه المشاريع تكشف أن المقاربة المعتمدة لا تنحصر في البنية التحتية، وإنما تحاول الجمع بين تحديث الإدارة وتحسين الخدمات ودعم الفئات الهشة.

قوة العامل تظهر في القدرة على جمع الملفات

إذا كان من المبكر الحديث عن حصيلة نهائية لعمل سيدي صالح داحا، فإن المؤشرات المتوفرة تسمح برصد توجه واضح: الانتقال من التدبير اليومي إلى محاولة بناء أجندة تنموية متعددة المستويات.

فالعامل يتحرك في ملفات الطرق، والاستثمار، والتأهيل الحضري، والصناعة، والخدمات الاجتماعية، وتحديث الإدارة، مع الحفاظ على التنسيق مع الجهة والجماعات والمؤسسات العمومية.

وهذه ليست مهمة سهلة في إقليم تتعدد فيه المصالح والفاعلون، لأن نجاح أي مشروع لا يتوقف على قرار العامل، وإنما على قدرته على تعبئة المتدخلين، إزالة العراقيل، فرض التتبع، والدفع نحو احترام الآجال والجودة.

وقد ظهر هذا الجانب بوضوح في تتبع المشاريع السابقة، حيث تم التشديد على احترام المعايير التقنية والجودة والآجال، وعلى تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين.

الرهان الحقيقي بدأ الآن

الجديدة تقف اليوم أمام فرصة تنموية كبيرة، لكن الفرصة وحدها لا تكفي. فالمشاريع التي تتجاوز قيمتها مليار درهم تحتاج إلى حكامة صارمة، وتحديد واضح للمسؤوليات، ومراقبة مستمرة، وربط التمويل بالإنجاز الفعلي.

وهنا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي لسيدي صالح داحا: هل يستطيع تحويل هذا الزخم المؤسساتي إلى نتائج ملموسة على الأرض؟

المؤشرات الحالية تمنحه أدوات مهمة: تعدد الشركاء، مشاريع استراتيجية، دينامية استثمارية، مؤهلات صناعية وسياحية، وبرامج اجتماعية. لكن القيمة الحقيقية ستظهر عندما تتحول الاتفاقيات إلى أوراش، والأوراش إلى مشاريع مكتملة، والمشاريع إلى فرص شغل وخدمات أفضل ومجال حضري أكثر جاذبية.

وبذلك، فإن الحديث عن «الجديدة الكبرى» لا ينبغي أن يبقى مجرد عنوان لمجموعة من الاتفاقيات، بل يمكن أن يتحول إلى مشروع ترابي متكامل يعيد ترتيب موقع الإقليم داخل جهة الدار البيضاء-سطات.

وفي قلب هذا المسار يقف عامل الإقليم سيدي صالح داحا أمام مسؤولية كبيرة: أن يحافظ على نسق التعبئة والتنسيق والتتبع، وأن يجعل من الإدارة الترابية مركزاً لتقاطع المشاريع لا مجرد جهاز لتدبيرها. فإذا نجح هذا المسار، فإن الجديدة لن تكون أمام تحسينات متفرقة، وإنما أمام مرحلة جديدة يمكن أن تعيد رسم صورتها الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية خلال السنوات المقبلة.

About The Author