الجديدة تستعيد روحها هذا الصيف.. مدينة الأطلسي التي عادت إليها الملايين وتنتظر الآن إنصافاً يليق بمكانتها

شاطئ

لم تعد الجديدة هذا الصيف مجرد مدينة يمر بها المصطافون في طريقهم إلى وجهات ساحلية أخرى، بل استعادت، بشكل لافت، موقعها كواحدة من أبرز وجهات الاصطياف على الساحل الأطلسي، بعدما تحولت شواطئها وفضاءاتها الحضرية إلى نقطة جذب لزوار من مختلف جهات المملكة، في مشهد أعاد إلى المدينة جزءاً من بريقها الذي ظل لسنوات طويلة غائباً خلف تراكمات عمرانية وتدبيرية أضعفت جاذبيتها.

فالحديث عن الجديدة خلال صيف 2026 هو حديث عن مدينة استقبلت أعداداً ضخمة من الزوار والمصطافين، وعن شريط ساحلي استثنائي يمتد على نحو 150 كيلومتراً، ويضم أكثر من 40 شاطئاً، من سيدي رحال شمالاً إلى مشارف الواليدية جنوباً، بما يجعل الإقليم واحداً من أغنى المجالات الساحلية بالمغرب من حيث تنوع الواجهات البحرية.

مدينة واحدة.. عشرات الشواطئ ووجهات مختلفة

حين نتحدث عن السياحة في الجديدة، لا يتعلق الأمر بشاطئ واحد، وإنما بمنظومة ساحلية كاملة.

هناك Plage d’el jadida الذي يشكل الواجهة البحرية الأساسية للمدينة، وهناك Plage Sidi Bouzid الذي ظل لعقود أحد أشهر المنتجعات الصيفية المغربية، ثم الحوزية، والدوفيل، وسيدي العابد، وسيدي موسى، وسيدي بونعايم، ومريزيقة، وسيدي بلخير، وسيدي بنونعايم، إضافة إلى شواطئ ومواقع ساحلية أخرى تمتد على طول الإقليم.

وتشير المعطيات المنشورة حديثاً إلى أن الساحل الإقليمي يضم، إلى جانب الأسماء الأشهر، شواطئ أقل استثماراً وأقل حضوراً في الخريطة السياحية، من بينها سيدي بونعايم والمهارزة الساحل والبئر الجديد، وهي مناطق تمتلك مؤهلات طبيعية يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى وجهات سياحية حقيقية إذا حظيت بالبنية التحتية والاستثمار الضروريين.

كما تبرز أسماء سيدي عابد، سيدي موسى، مريزيقة وأولاد عيسى ضمن شريط ساحلي غني بالمؤهلات الطبيعية والبيئية، لكنه ما يزال، وفق تحقيق صحفي حديث، خارج دائرة الاستثمار السياحي الحقيقي.

أما الحوزية، فقد نجحت خلال سنوات في بناء سمعة قوية بفضل جودة مياهها ونظافة فضائها وحصولها المتواصل على اللواء الأزرق، وأصبحت من الوجهات التي تستقطب سكان الجديدة وزوارها على حد سواء.

ولا ينبغي إغفال شاطئ للا عائشة البحرية بأزمور، ولا شاطئ مولاي عبد الله، وزفير مزاغان، والروي، وجرف غراب، والحرشان، وغيرها من النقاط الساحلية التي تشكل، في مجموعها، ثروة سياحية هائلة لا تزال أكبر بكثير من مستوى استثمارها الحالي.

الجديدة.. صيف أعاد اكتشاف المدينة

ما حدث هذه السنة لا يمكن اختزاله في ارتفاع عدد المصطافين فقط.

الجديدة بدأت تستعيد وظيفتها السياحية الطبيعية.

فالمدينة التي كانت، في فترات سابقة، محطة صيفية رئيسية للعائلات المغربية، عادت إليها الحركة، وعادت شوارعها تعرف كثافة واضحة، وعادت تجارة الإيواء والمطاعم والمقاهي والخدمات المرتبطة بالسياحة إلى الاستفادة من التدفق الصيفي.

وهذه ليست ظاهرة عابرة، لأن مؤهلات الجديدة ليست وليدة اليوم: مناخ معتدل، محيط أطلسي، شواطئ متنوعة، المدينة البرتغالية المصنفة ضمن التراث العالمي، تاريخ عريق، وموقع قريب من محور الدار البيضاء-سطات.

لكن الجديد هو أن الزائر بدأ يرى في الجديدة من جديد مدينة تستحق أن تكون وجهته، وليس مجرد محطة عبور.

مفارقة عجيبة.. مدينة سياحية بإمكانات هائلة لكنها لم تنل حقها

وهنا تبدأ المفارقة الكبرى.

كيف لمدينة بهذه المؤهلات أن ظلت لأكثر من عقدين تعاني من تراجع واضح في جاذبيتها، ومن اختلالات في التهيئة والنظافة والمجال الحضري، بينما كانت مدن ساحلية أخرى تستثمر في شواطئها ومراكزها التاريخية وبنياتها السياحية؟

الجديدة دفعت ثمناً باهظاً لسنوات من التدبير الذي لم يستطع مواكبة التحولات التي عرفتها السياحة الداخلية وتطلعات الزوار.

مدينة كانت ذات يوم توصف بـ**«دوفيل المغربية»**، وكانت شواطئها وهدوءها ونظافة فضائها الحضري جزءاً من صورتها، وجدت نفسها تدريجياً أمام مظاهر عمرانية وبيئية أضعفت تلك الصورة.

والمشكلة لم تكن في البحر ولا في الموقع ولا في السكان ولا في المؤهلات الطبيعية.

المشكلة كانت في غياب التراكم التنموي الحقيقي.

هذه السنة أعادت الروح.. لكن الروح وحدها لا تكفي

العودة القوية للزوار هذا الصيف تحمل رسالة واضحة إلى الدولة والحكومة والجهة والجماعات والمؤسسات المعنية: الجديدة تستحق استثماراً أكبر بكثير مما تحصل عليه اليوم.

فالمدينة أثبتت أنها قادرة على جذب الزائر حتى في ظل نقائصها.

وهذا يعني أن العائد المحتمل من الاستثمار في تأهيلها يمكن أن يكون أكبر بكثير.

الجديدة لا تحتاج فقط إلى إصلاح الأرصفة أو طلاء الجدران أو تنظيف بعض الشوارع، وإنما تحتاج إلى مشروع متكامل لإعادة بناء وجه المدينة.

مشروع يجعل من البحر محركاً اقتصادياً، ومن المدينة البرتغالية رافعة ثقافية وسياحية، ومن الشريط الساحلي مجالاً للاستثمار المنظم، ومن المطاعم والخدمات والصناعة التقليدية والسياحة الداخلية قطاعات منتجة لفرص الشغل.

على الدولة أن تنظر إلى الجديدة باعتبارها عاصمة دكالة وواجهة الأطلسي

الجديدة ليست مدينة ساحلية عادية.

إنها عاصمة دكالة، وواحدة من أهم الواجهات الأطلسية للمملكة، ومجال يملك من التاريخ والجغرافيا والاقتصاد ما يؤهله ليكون قطباً سياحياً وطنياً.

ولهذا فإن المطلوب اليوم هو أن تنتقل الجديدة من خانة المدن التي «تستقبل السياح صيفاً» إلى خانة الوجهات السياحية التي تستقطب الزائر على مدار السنة.

وهذا يتطلب برنامجاً وطنياً وجهوياً واضحاً لتأهيل الواجهة البحرية، والمدينة القديمة، والشواطئ، والمساحات الخضراء، والمداخل، والنقل، ومواقف السيارات، والإنارة، والنظافة، والتشوير، والمرافق السياحية.

كما يتطلب حماية المجال الساحلي من العشوائية، وتشجيع الاستثمار المسؤول الذي يخلق قيمة مضافة ويحافظ في الوقت نفسه على هوية المدينة.

ولكن المسؤولية ليست على الدولة وحدها.. الجديدة تحتاج أيضاً إلى أن تغير سلوكها

وإذا كان من حق سكان الجديدة أن يطالبوا الدولة والحكومة والجهة والجماعات بمزيد من الاستثمار والتأهيل، فإن عليهم في المقابل أن يعترفوا بأن المدينة لا يمكن أن تصبح وجهة سياحية حقيقية إذا لم يتغير جزء من السلوك اليومي داخلها.

ومن أكثر الصور المؤلمة التي تفسد جمال الجديدة ظاهرة رمي الأزبال في الشوارع والأرصفة والفضاءات العمومية، بل وحتى في بعض المناطق القريبة من البحر.

لا يمكن أن نطالب بالسياحة ونرمي قنينات الماء والأكياس البلاستيكية وبقايا الطعام حيثما اتفق.

لا يمكن أن نطالب بمدينة عالمية ونحول بعض فضاءاتها إلى مطارح عشوائية.

ولا يمكن أن ننتظر من الدولة وحدها أن تنظف مدينة يعيد بعض سكانها وزوارها إنتاج الفوضى فيها بعد ساعات.

النظافة ليست خدمة بلدية فقط؛ إنها ثقافة جماعية.

وإذا كانت الجديدة تريد أن تستعيد موقعها السياحي، فإن عليها أن تتأقلم مع المدينة التي تريد أن تصبحها.

الجديدة أمام لحظة تاريخية

ما وقع هذا الصيف يجب ألا يمر كصيف آخر ينتهي بانتهاء العطلة.

لقد أظهرت حركة الزوار أن الطلب السياحي موجود، وأن المدينة قادرة على استقطاب المغاربة والسياح، وأن البحر ما زال قادراً على إعادة الحياة إلى الاقتصاد المحلي.

لكن المطلوب الآن هو استثمار هذه اللحظة.

الجديدة تحتاج إلى رؤية وطنية لإعادة الاعتبار إليها، وإلى برنامج تأهيل كبير ومتعدد السنوات، وإلى حكامة تجمع الدولة والجهة والإقليم والجماعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

وتحتاج كذلك إلى إدارة ترابية قوية تواكب هذه الدينامية وتدفع نحو تنسيق المشاريع وتسريع الأوراش، وهو ما يجعل المرحلة الحالية فرصة مهمة أمام عامل الإقليم سيدي صالح داحا ومختلف المؤسسات الترابية لإبراز أن الجديدة يمكن أن تتحول من مدينة تستهلك صيفاً سياحياً إلى قطب اقتصادي وسياحي أطلسي متكامل.

لقد استغرقت أكثر من عشرين سنة حتى وصلت الجديدة إلى هذا المستوى من التراجع، ولن تستعيد كل ما فقدته في موسم واحد.

لكن روح المدينة عادت هذا الصيف.

والكرة الآن في ملعب الجميع: الدولة والحكومة والجهة والإقليم والجماعات والمستثمرين، وقبلهم سكان الجديدة أنفسهم.

فإذا أرادت الجديدة أن تستعيد مجدها القديم وتبني مستقبلاً جديداً، فعليها أن تفهم قاعدة بسيطة: لا يكفي أن يكون البحر جميلاً حتى تصبح المدينة سياحية؛ يجب أن تكون المدينة نفسها جميلة، نظيفة، منظمة، آمنة، مضيافة وقادرة على احترام الزائر والمجال الذي تعيش فيه.

وهذه هي اللحظة التي ينبغي أن تتحول فيها عودة الملايين إلى بداية نهضة حقيقية لعاصمة دكالة وواجهة الأطلسي، لا مجرد ذكرى لصيف مزدحم آخر.

About The Author