شلل بحري خانق يضرب الجرف الأصفر “الموفيطا” توقف شريان التجارة… وبواخر عالقة وخسائر بملايين الدولارات
يعيش ميناء الجرف الأصفر، أحد أعمدة المنظومة المينائية الوطنية وأكبر الموانئ المعدنية في إفريقيا والشرق الأوسط، على إيقاع شلل غير مسبوق بفعل التقلبات المناخية العنيفة التي تضرب السواحل المغربية. فمع ارتفاع علو الأمواج إلى أزيد من ستة أمتار، اضطرت السلطات المختصة إلى تفعيل إجراء منع رسو السفن، المعروف مهنيا بـ“الكونسينياسيون”، كخيار احترازي لحماية الأرواح والمعدات والبضائع، في وقت تحوّل فيه القرار إلى كابوس اقتصادي ثقيل الكلفة.
هذا الارتباك الحاد في حركة الملاحة لم يمر دون استنفار رسمي؛ إذ حلّ مصطفى فارس، المدير العام للوكالة الوطنية للموانئ، صباح الثلاثاء، بميناء الجرف الأصفر، مرفوقا بعامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا، في زيارة ميدانية فرضتها خطورة الظرفية وحجم الخسائر المحتملة، وسط ترقب واسع لما قد تحمله من قرارات عملية.
على الأرصفة، يسود فتور غير معهود. وفي عرض المحيط الأطلسي، ترابط مئات البواخر التجارية في وضعية انتظار قسري، ممنوعة من الرسو إلى حين انقشاع الأسباب الطبيعية. وضعية توصف، وفق مصادر مهنية، بغير المسبوقة، بعدما تجاوزت مدة المنع شهرا كاملا، متخطية أطول مرحلة عرفها الميناء سنة 2014 والتي دامت 29 يوما، ما ينذر بتداعيات ثقيلة على سلاسل التوريد الوطنية.
وتتجاوز آثار هذا الشلل حدود الميناء لتضرب في عمق النسيج الاقتصادي. فتعطل وصول المواد الخام أدى إلى توقف أو تباطؤ عدد من الوحدات الصناعية، خاصة مصانع الأعلاف الموجهة لتغذية المواشي والدواجن، ما يهدد بنقص الأعلاف المركبة في السوق الوطنية، ويضغط مباشرة على سلاسل إنتاج اللحوم الحمراء والبيضاء. كما امتدت الارتدادات إلى قطاع الأسمدة، الذي يشهد طلبا متزايدا تزامنا مع التساقطات المطرية، في وقت يعوّل فيه الفلاحون على موسم فلاحي واعد يتطلب إمدادات منتظمة وسلسة.
ولا تقف الخسائر عند حدود الإنتاج فقط، بل تتضاعف بفعل الغرامات الثقيلة التي يتحملها المستوردون، والمتمثلة في “ذعائر” تأخر البواخر عن الرسو، والتي تبدأ من 15 ألف دولار عن كل يوم تأخير بعد مرور 36 ساعة على الإعلان عن الوصول، ما يراكم مبالغ طائلة تلتهم هوامش الربح وتضع المقاولات تحت ضغط مالي خانق.
وفي محاولة لاستجلاء الصورة، تعذر التواصل مع مسؤولي الوكالة الوطنية للموانئ وشركة “مارسا ماروك” طيلة يوم الاثنين، بسبب غيابهم عن المكاتب، فيما اكتفى قبطان الميناء، في اتصال هاتفي، بتوصيف الوضع بـ“القوة القاهرة”، دون تقديم معطيات إضافية، في مشهد يعكس حجم الارتباك الذي يعيشه الميناء.
في المقابل، كشفت مصادر مطلعة أن حركة السفن بأرصفة المجمع الشريف للفوسفاط لم تتوقف، بفضل استثمارات كبيرة في تجهيزات متطورة تضمن شروط السلامة أثناء الرسو، وتحدّ من تأثير التقلبات المناخية. معطى أعاد إلى الواجهة مطلب تعميم هذه التجهيزات على باقي الأرصفة التجارية، لتفادي الشلل التام وضمان استمرارية النشاط ببوابة بحرية تُعد حيوية لتزويد البلاد بالمواد الأولية.
أمام هذا الوضع، دعا فاعلون اقتصاديون إلى عقد مائدة مستديرة لتقييم الخسائر والوقوف على مكامن الخلل، وصياغة خطة احترازية ناجعة تُحصّن الميناء من تكرار سيناريو “الكونسينياسيون” الأطول في تاريخه. كما عبّروا عن أملهم في أن تتحول الزيارة الميدانية للمسؤولين إلى قرارات ملموسة ترتقي بخدمات الميناء، وتعيد الثقة إلى فاعلي الاقتصاد الذين وجدوا أنفسهم، لأيام طويلة، تحت رحمة البحر وتقلباته.
