“حبس الصوار” بالجديدة.. بناية تاريخية مهجورة في قلب الحي البرتغالي تنتظر مبادرة إنقاذ
جديدتي 2 مارس 2026
في قلب الحي البرتغالي بمدينة الجديدة، المصنف تراثاً عالمياً من قبل اليونسكو، تقف بناية “حبس الصوار” شاهدة على مرحلة من تاريخ المدينة، لكنها اليوم تعيش عزلة قاسية بين جدران متآكلة ونوافذ محطمة وصمت رسمي يثير أكثر من علامة استفهام. فهل تتحرك الجهات المعنية لإنقاذ هذا المعلم، أم سيظل الإهمال عنوان المرحلة؟
من فضاء وظيفي إلى بناية مهجورة
“حبس الصوار” الذي كان يؤدي وظيفة سجنية في مرحلة سابقة، أُغلق مباشرة بعد افتتاح السجن المدني الجديد بمدينة الجديدة، ليجد نفسه خارج دائرة الاستعمال. ومنذ ذلك الحين، تحولت البناية إلى فضاء مهجور، تتآكل جدرانه بفعل الرطوبة وتقادم الزمن، وتتسع داخله مظاهر الإهمال دون أي تدخل يُذكر لإعادة الاعتبار له أو تأمينه.
المعاينة الميدانية تُظهر بوضوح حجم التدهور الذي طال هذه المعلمة، سواء على مستوى البنية الخارجية أو الفضاءات الداخلية التي بات الولوج إليها محفوفاً بالمخاطر. وضع لا يثير فقط أسف المهتمين بالتراث المعماري، بل يبعث أيضاً على القلق بشأن السلامة العامة.
بناية في نطاق تراث عالمي
تكمن خطورة الوضع في أن “حبس الصوار” يوجد ضمن المجال المصنف تراثاً عالمياً، وهو ما يضعه ضمن منظومة حماية دولية تروم صون الذاكرة المعمارية للمدينة. فالحي البرتغالي، بما يزخر به من أسوار وأبراج ومعالم تاريخية، يشكل أحد أبرز الفضاءات التراثية بالمغرب، وواجهة ثقافية وسياحية لمدينة الجديدة.
وأي اختلال في تدبير بناية تاريخية داخل هذا النطاق قد ينعكس سلباً على صورة المدينة، ويطرح تساؤلات حول مدى احترام شروط الحفاظ على التراث المصنف. فهل يُعقل أن تظل بناية بهذا الحجم والأهمية عرضة للإهمال في قلب فضاء عالمي محمي؟
مخاوف أمنية ومجتمعية
بعيداً عن البعد التراثي، يطرح وضع “حبس الصوار” إشكالات أمنية حقيقية. فالبنايات المهجورة غالباً ما تتحول إلى نقاط سوداء، قد تستقطب أنشطة غير قانونية أو تشكل فضاءات مغلقة يصعب مراقبتها. ومع تدهور البنية وتصدع بعض أجزائها، تبرز أيضاً مخاوف تتعلق بسلامة الساكنة المجاورة، خاصة الأطفال والشباب الذين قد يحاولون الولوج إليها بدافع الفضول.
إن استمرار هذا الوضع في حي حيوي يعرف حركة سياحية وثقافية، لا ينسجم مع الجهود المبذولة لتعزيز جاذبية المدينة وإعادة تأهيل فضاءاتها التاريخية.
مشروع متحف… قرار لم يُفعل
للإشارة، سبق لمجلس جماعة الجديدة، خلال الولاية التي كان يرأسها أحمد فيصل القادري، أن صادق على مقرر يقضي باقتناء العقار الذي تحتضن أرضه بناية “حبس الصوار”، بهدف تحويله إلى متحف ودمجه ضمن النسيج الثقافي والسياحي للمدينة. كان المشروع يحمل في طياته رؤية لإعادة توظيف الفضاء بطريقة تحافظ على ذاكرته وتمنحه نفساً جديداً يخدم التنمية المحلية.
غير أن هذا المقرر ظل، وفق المعطيات المتداولة، دون تفعيل فعلي على أرض الواقع، ليبقى المشروع حبيس الرفوف، بينما يواصل المبنى انحداره نحو مزيد من التدهور.
اتفاقية كبرى… وأسئلة معلقة
في سياق متصل، يجري الحديث عن اتفاقية شراكة رُصد لها غلاف مالي يناهز 250 مليون درهم لإعادة تأهيل الحي البرتغالي، في إطار رؤية أشمل تشمل أيضاً المدينة القديمة بأزمور وقصبة بولعوان. غير أن الغموض يلف مصير هذه الاتفاقية، ومدى تقدم تنفيذ مشاريعها، وما إذا كانت بناية “حبس الصوار” مدرجة ضمن أولوياتها.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يشكل استمرار وضعية هذه البناية مؤشراً على بطء في تنزيل مضامين الاتفاقية؟ أم أن المشروع لم ير النور بعد لأسباب تقنية أو مالية أو إدارية؟
مسؤولية جماعية لحماية الذاكرة
إن إنقاذ “حبس الصوار” لا ينبغي أن يُنظر إليه كمجرد عملية ترميم لبناية قديمة، بل كجزء من رؤية شاملة لحماية ذاكرة المدينة وصون هويتها. فالمعالم التاريخية ليست حجارة صامتة، بل شواهد حية على تحولات اجتماعية وثقافية شكلت ملامح الجديدة عبر القرون.
كما أن إعادة تأهيل هذا الفضاء يمكن أن يشكل فرصة لخلق دينامية ثقافية جديدة، سواء عبر تحويله إلى متحف، أو فضاء للمعارض، أو مركز ثقافي يحتضن أنشطة فنية وتربوية، بما ينسجم مع طابع الحي البرتغالي ومكانته.
بين الصمت والمبادرة
اليوم، يقف “حبس الصوار” عند مفترق طرق: إما استمرار الإهمال والصمت، بما يحمله ذلك من مخاطر على التراث والأمن والصورة السياحية للمدينة، أو إطلاق مبادرة واضحة المعالم تنقذ البناية وتعيد إدماجها في الدورة الثقافية والتنموية.
الأنظار تتجه نحو عمالة إقليم الجديدة وباقي المتدخلين المعنيين بقطاع التراث والتعمير والثقافة، في انتظار قرار يعكس وعياً بأهمية اللحظة. فالتاريخ لا ينتظر، والبنايات حين تنهار لا يمكن استعادتها إلا بكلفة أكبر، إن لم يكن ذلك مستحيلاً.
ويبقى السؤال معلقاً: هل تتحول “حبس الصوار” من عنوان للإهمال إلى نموذج ناجح لإعادة التأهيل؟ أم أن الزمن سيواصل كتابة فصل آخر من تآكل الذاكرة في صمت؟
