الجديدة… اعتداء جديد على أستاذ يثير غضب المجتمع التربوي ويعيد ملف العنف في المدارس إلى الواجهة
اهتز الوسط التربوي بمدينة الجديدة هذا الأسبوع على وقع حادث مؤسف تمثل في اعتداء لفظي وعنيف على أستاذ يشتغل بثانوية السعادة الإعدادية، في ثاني واقعة من نوعها تُسجَّل في نفس اليوم داخل المدينة، ما أثار صدمة في أوساط العاملين في قطاع التعليم وأولياء الأمور، وأعاد طرح نقاش أكثر جدية حول حماية الأطر التربوية داخل المؤسسات التعليمية.
تفاصيل الحادثة الأخيرة
وفق مصادر صحفية محلية، فقد اقتحمت أم إحدى التلميذات فضاء المؤسسة بعنف، وتوجهت نحو أستاذ يعمل داخل الإعدادية، حيث توجهت إليه بصراخ هيستيري وتصرفات عدوانية أثارت حالة من الذعر في صفوف التلاميذ والطاقم التربوي، قبل أن يتدخل عدد من الحضور لفض الاشتباك.
وقال بيان صادر عن إحدى النقابات التعليمية إن الواقعة لم تكن “اعتداء لفظيًا فقط”، بل مثلت انتهاكًا صارخًا لحرمة المؤسسة التعليمية واعتداءً على رجل أو امرأة التعليم داخل فضاء يفترض أن يكون مكانًا للتربية والتعلم وليس للعنف والتوتر. وطالبت النقابة الجهات المسؤولة بـ “اتخاذ إجراءات فورية لحماية العاملين داخل المؤسسات التعليمية وتوفير الأمن داخل الفضاء المدرسي”.
وبحسب نقابيين، فإن الحادثة الأخيرة تمثل ثاني اعتداء يُسجَّل في نفس يوم بمدينة الجديدة، ما دفع إلى إطلاق نداءات محلية وعبر النقابات التعليمية إلى ضرورة تدخل السلطة والجهات الأمنية لتوفير الحماية اللازمة داخل المدارس، لا سيما في ظل ما وصفتها بـ “الاختلالات في إدارة المؤسسات وضعف الإجراءات الوقائية”.
الاعتداءات على الأطر التربوية… ظاهرة متنامية
حادثة الجديدة ليست الأولى من نوعها على المستوى الوطني. خلال السنوات الأخيرة، شهدت عدة مدن مغربية حوادث اعتداء على أستاذات وأسذة داخل مؤسسات تربوية أو أمامها، بعضها تطورت إلى شكليات عنيفة أوسع:
-
في مدينة الخميسات، تعرَّض أستاذ بالثانوية الإعدادية “الفتح” إلى اعتداء بالسلاح الأبيض من تلميذ، ما استدعى تدخل المديرية الإقليمية بسرعة وتأمين الطاقم التربوي.
-
في إقليم تطوان، أثار اعتداء لفظي وجسدي على أستاذ من طرف والدة تلميذ غضب الشغيلة التعليمية، معتبرين أن ذلك يمس بكرامة المعلم ويشكل سابقة خطيرة في بيئة العمل المدرسي.
-
في مدن أخرى مثل طنجة وتوابعها، تحوّلت أعمال عنف بين التلاميذ داخل المؤسسة إلى مواجهات خطيرة أثرت على سير الدروس وأمن الفضاء المدرسي، مما يعكس أن العنف داخل المدارس لا يقتصر على الاعتداء على الأساتذة، بل يشمل أيضاً النزاعات بين التلاميذ نفسها.
تلك الحوادث المتفرقة في جهات مختلفة من المغرب تشير إلى أن المناخ داخل بعض المؤسسات التعليمية قد أصبح هشًا، وهو ما دفع الكثير من النقابات والهيئات الحقوقية إلى دعوة الجهات المختصة إلى مراجعة السياسات الأمنية داخل المدارس وتقديم الدعم النفسي والتربوي للأطر التعليمية في ظل تزايد حالات العنف والصراعات.
الأسباب والانعكاسات
يؤكد خبراء تربويون أن العنف داخل المؤسسات التعليمية لا ينفصل عن أزمة أعمق تعيشها المنظومة التربوية المغربية، تشمل عوامل متعددة منها:
-
الضغوط النفسية والاجتماعية لدى التلاميذ نتيجة مشكلات أسرية أو مجتمعية أكبر.
-
ضعف آليات التأطير والدعم داخل المؤسسة، وعدم وجود فرق كافية من الأطر التأطيرية والاجتماعية.
-
ارتباط العلاقات بين أولياء الأمور والمؤسسة التعليمية بمشاكل شخصية أو تصعيد خلافات أسرية داخل المدرسة بدلاً من القنوات الرسمية للحوار.
وأياً كانت الأسباب، فإن الاعتداء على الأستاذ أو الإطار التربوي يمس كرامة المهنة ويُضعف من بيئة التعلم، ويشكل “جرس إنذار” يستوجب التحرك على مستوى السياسة العمومية، عبر تعزيز الإجراءات الوقائية، وتأطير الطلاب وأولياء الأمور، وإعادة النظر في علاقة المدرسة بالمحيط الاجتماعي الأوسع.
مطالب نقابية ورصد اجتماعي
رفضًا للتدهور، أكدت نقابات التعليم ضرورة توفير:
-
أمن داخل محيط المؤسسات التعليمية وإسناد مهام أجهزة الحراسة والتأطير بشكل واضح.
-
إجراءات رادعة ضد المتعدّين بحق الأساتذة أو أي عضو من الطاقم التربوي.
-
العمل على التكوين والتحسيس داخل المجتمع حول أهمية احترام المدرسة وهيبتها.
-
دعم نفسي وتربوي للمتعلمين لمواجهة ضغوط الطلاب الاجتماعية والنفسية.
هذه المطالب جاءت تعبيراً عن تخوفات واسعة من أن تتسع دائرة العنف لتشمل المزيد من الحالات داخل المؤسسات التعليمية، إذا لم يتم التعامل مع الظاهرة بشكل جاد ومنهجي.
المدرسة ليست ساحة للصراع
إن المدرسة، في جوهرها، فضاء للتربية والتنشئة والتعليم، وليس مكانًا للصراعات أو الاعتداءات الجسدية أو اللفظية. الاعتداء على الأستاذ أو الإطار التربوي هو اعتداء على المجتمع بأسره، لأن تلك النواة التربوية هي التي تُنشئ أجيال المستقبل.
الحوادث المتكررة في مقاطع مختلفة من المغرب تُحتم على جميع الفاعلين — من وزارة التربية الوطنية إلى السلطات المحلية والأمنية، وإلى الأسر — العمل المشترك من أجل استعادة الأمن داخل الفضاء المدرسي، وترسيخ ثقافة الاحترام والتعاون بين المدرسة والمحيط الاجتماعي.
فـ حماية من يربي الأجيال ليست رفاهية، بل ضرورة مجتمعية لضمان مستقبل آمن ومثمر للأجيال القادمة.
