عيد العرش المجيد.. ثلاثة عقود من التحولات الكبرى وملحمة وطن يقودها الملك محمد السادس نحو المستقبل
كلما اقترب الثلاثون من يوليوز، يعود المغاربة إلى واحدة من أكثر المحطات الوطنية رمزية في تاريخ المملكة، وهي عيد العرش المجيد، المناسبة التي لا تقتصر على الاحتفال بذكرى اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه المنعمين، بل تمثل موعداً سنوياً لتجديد أواصر البيعة والوفاء بين العرش والشعب، واستحضار مسيرة وطن اختار منذ أكثر من ربع قرن طريق الإصلاح والاستقرار والتنمية.
ففي مختلف المدن والقرى، تبدأ ملامح الاحتفال بالظهور قبل أيام من الموعد الرسمي، حيث تتزين الشوارع والساحات بالأعلام الوطنية، وتستعد الإدارات والمؤسسات والجماعات الترابية لتنظيم احتفالات وأنشطة ثقافية ورياضية واجتماعية، فيما يعيش المغاربة أجواء وطنية خاصة يختلط فيها الفخر بالانتماء باستحضار محطات تاريخية صنعت هوية الدولة المغربية الحديثة.
ويأتي عيد العرش هذه السنة في ظرفية دقيقة، تتقاطع فيها رهانات التنمية مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، بينما يواصل المغرب تنفيذ أوراش استراتيجية كبرى استعداداً لاحتضان كأس العالم 2030، وتعزيز مكانته كقوة إقليمية صاعدة في إفريقيا والفضاء المتوسطي.
عيد العرش.. مناسبة ولدت من رحم الوطنية
لم يكن عيد العرش مجرد احتفال بروتوكولي، بل ارتبط منذ نشأته سنة 1933 بتاريخ المقاومة الوطنية ضد الاستعمار، حين اختار المغاربة الاحتفاء بسلطانهم الشرعي محمد الخامس، في رسالة واضحة تؤكد تشبث الأمة بمؤسسة العرش باعتبارها رمز وحدة البلاد واستمرار الدولة.
وخلال سنوات الكفاح الوطني، تحول عيد العرش إلى عنوان للمقاومة والصمود، خاصة بعد نفي السلطان محمد الخامس سنة 1953، حيث ظل المغاربة يحتفلون بهذه المناسبة رغم ظروف الاحتلال، إلى أن عاد السلطان من المنفى سنة 1955، معلناً بداية عهد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية.
وبعد ذلك، واصل المغفور له الملك الحسن الثاني ترسيخ هذه المناسبة باعتبارها محطة سنوية لاستعراض حصيلة الدولة وإعلان التوجهات الكبرى، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة مع اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس العرش في 30 يوليوز 1999.
محمد السادس… مشروع ملك يؤمن بالإصلاح الهادئ
منذ اللحظات الأولى لتوليه العرش، رسم الملك محمد السادس معالم مرحلة جديدة قوامها تحديث الدولة، وتقوية المؤسسات، ووضع المواطن في قلب السياسات العمومية.
وخلال سنوات حكمه، أطلق أوراشاً إصلاحية غير مسبوقة شملت مختلف المجالات، من إصلاح الإدارة والقضاء، إلى تحديث الاقتصاد، وتوسيع البنيات التحتية، وتعزيز الحقوق والحريات، وإطلاق برامج اجتماعية واسعة، مع الحرص على الحفاظ على استقرار المملكة وسط محيط إقليمي مضطرب.
ولعل أهم ما ميز هذه المرحلة هو اعتماد منهج يقوم على الإصلاح المتدرج، بعيداً عن منطق الصدمات، وهو ما جعل المغرب يحافظ على توازنه السياسي والاقتصادي في فترات شهدت فيها المنطقة العربية تحولات عميقة.
البنية التحتية… المغرب يغير ملامحه
يصعب اليوم مقارنة المغرب بما كان عليه قبل سنة 1999، فخلال أقل من ثلاثة عقود، تغيرت ملامح البلاد بشكل جذري.
شبكة الطرق السيارة تضاعفت، والطرق السريعة ربطت الجهات ببعضها البعض، فيما عرف قطاع السكك الحديدية نقلة نوعية بإطلاق أول قطار فائق السرعة في القارة الإفريقية.
كما شهدت المملكة توسعاً كبيراً في المطارات والموانئ، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح أحد أكبر الموانئ العالمية وأكثرها تنافسية، إلى جانب إطلاق مشاريع ضخمة لتوسيع مطارات المملكة وتأهيلها وفق المعايير الدولية.
هذه المشاريع لم تكن مجرد استثمارات في الإسمنت، بل شكلت قاعدة لجذب المستثمرين وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.
اقتصاد متنوع ورؤية صناعية جديدة
راهن المغرب خلال السنوات الأخيرة على تنويع اقتصاده وعدم الارتهان للقطاعات التقليدية فقط.
فأصبحت المملكة من كبار المصنعين للسيارات في إفريقيا، كما تطورت صناعة الطيران، والصناعات الغذائية، والإلكترونية، والطاقات المتجددة، وارتفعت جاذبية المغرب للاستثمارات الأجنبية بفضل الاستقرار السياسي وتطور البنية التحتية.
كما تم إنشاء مناطق صناعية ولوجستية جديدة، وتحسين مناخ الأعمال، وإطلاق ميثاق جديد للاستثمار يهدف إلى تشجيع المقاولات وخلق فرص الشغل.
الثورة الاجتماعية… الإنسان أولاً
من أبرز الأوراش التي ميزت عهد الملك محمد السادس، الورش الاجتماعي الذي يعتبر من أكبر المشاريع في تاريخ الدولة المغربية.
فقد تم إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي ساهمت في تمويل آلاف المشاريع الاجتماعية والاقتصادية لفائدة الفئات الهشة.
كما دخل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية مرحلة التنفيذ، ليشمل ملايين المواطنين بالتأمين الإجباري عن المرض، والتعويضات العائلية، وأنظمة الدعم الاجتماعي، في خطوة تروم تعزيز العدالة الاجتماعية وتقليص الهشاشة.
وفي قطاع الصحة، يجري إصلاح شامل للمنظومة الصحية، يشمل بناء مستشفيات جامعية وإقليمية جديدة، وإعادة تنظيم العرض الصحي، وتحسين الخدمات الطبية.
التعليم… إصلاح مستمر
رغم التحديات التي ما تزال تواجه المدرسة المغربية، فإن قطاع التعليم عرف بدوره إصلاحات متواصلة، سواء من خلال تعميم التعليم الأولي، أو مراجعة المناهج، أو تطوير التكوين المهني، أو تعزيز الرقمنة داخل المؤسسات التعليمية.
وتواصل الدولة الاستثمار في الرأسمال البشري باعتباره أساس التنمية المستدامة، مع ربط التعليم أكثر بحاجيات سوق الشغل.
الأمن… نموذج يحظى بالاحترام
في الوقت الذي تعرف فيه العديد من الدول تحديات أمنية معقدة، نجح المغرب في بناء نموذج أمني متوازن يعتمد على الاحترافية والاستباقية والتكنولوجيا الحديثة.
وقد عززت مختلف الأجهزة الأمنية حضورها الميداني، ورفعت من جاهزيتها في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، كما توسع التعاون الأمني مع شركاء دوليين، ما جعل التجربة المغربية تحظى بإشادة واسعة.
الدبلوماسية المغربية… حضور يزداد قوة
على المستوى الخارجي، تمكن المغرب من تحقيق مكاسب دبلوماسية مهمة، خاصة في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، حيث توسعت دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وافتتحت العديد من الدول قنصلياتها بالأقاليم الجنوبية.
كما عززت المملكة حضورها داخل القارة الإفريقية، وأصبحت شريكاً أساسياً في مشاريع التنمية والاستثمار والتعاون جنوب-جنوب.
وفي الوقت نفسه، حافظ المغرب على علاقات استراتيجية متوازنة مع شركائه الأوروبيين والعرب والأفارقة والولايات المتحدة الأمريكية.
الأمن المائي… سباق مع الزمن
فرضت التغيرات المناخية نفسها بقوة خلال السنوات الأخيرة، ما جعل الأمن المائي أحد أكبر التحديات الوطنية.
واستجابة لذلك، أطلق جلالة الملك برامج ضخمة لبناء السدود، وربط الأحواض المائية، وإنجاز محطات تحلية مياه البحر، وتوسيع مشاريع إعادة استعمال المياه العادمة، في إطار رؤية بعيدة المدى لضمان الأمن المائي للمملكة.
كأس العالم 2030… فرصة تاريخية
يشكل تنظيم كأس العالم 2030 محطة استثنائية في تاريخ المغرب، ليس فقط على المستوى الرياضي، بل أيضاً باعتباره مشروعاً تنموياً متكاملاً.
فالأوراش المفتوحة اليوم تشمل الملاعب، والمطارات، والفنادق، والنقل، والرقمنة، والفضاءات العمومية، بما سيترك إرثاً تنموياً يمتد لعقود.
ويرى العديد من المتابعين أن هذه المشاريع ستساهم في خلق آلاف مناصب الشغل، وتحفيز الاقتصاد، وتعزيز جاذبية المملكة للاستثمار والسياحة.
خطاب العرش… خارطة طريق للمستقبل
يترقب المغاربة في كل سنة الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش، باعتباره محطة سياسية ودستورية مهمة، يحدد خلالها جلالة الملك أولويات المرحلة المقبلة، ويقدم تشخيصاً لأبرز التحديات، ويوجه مختلف المؤسسات نحو مواصلة الإصلاح.
وقد تحولت هذه الخطب، عبر السنوات، إلى مرجع أساسي في فهم توجهات الدولة المغربية، سواء في المجالات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الدبلوماسية أو المؤسساتية.
عيد العرش… احتفال بماضٍ مجيد ومستقبل واعد
لا يمكن اختزال عيد العرش في المراسيم الرسمية أو الاحتفالات الشعبية، لأنه قبل كل شيء مناسبة وطنية لاستحضار مسار دولة عريقة استطاعت أن تواجه مختلف التحديات بالإصلاح والعمل والاستقرار.
كما أنه فرصة لتقييم المنجزات ومساءلة السياسات العمومية، واستحضار ما تحقق في مجالات البنية التحتية، والصناعة، والدبلوماسية، والحماية الاجتماعية، والطاقات المتجددة، مع الإقرار بأن المرحلة المقبلة ما تزال تتطلب مضاعفة الجهود في مجالات التشغيل، والتعليم، والصحة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وبين صفحات التاريخ وآفاق المستقبل، يظل عيد العرش مناسبة يجدد فيها المغاربة تشبثهم بثوابت الأمة، ويعبرون عن اعتزازهم بمؤسسة ملكية لعبت، عبر قرون، دور صمام الأمان لوحدة البلاد واستقرارها، بينما يواصل المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، ترسيخ مكانته كدولة تنظر إلى المستقبل بثقة، وتواصل بناء نموذج تنموي يراهن على الإنسان، ويجعل من التنمية والاستقرار والسيادة الوطنية ركائز لمسيرة لا تتوقف.
