المحرك الرئيسي للتبوريدة.. موسم مولاي عبد الله أمغار يشعل أجواء الفروسية وداحا يقود تعبئة ميدانية لتأمين أكبر موعد تراثي بالجديدة

765694068_2231460414272350_1731831266897420383_n

تعيش جماعة مولاي عبد الله بإقليم الجديدة، منذ انطلاق فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار، على إيقاع واحد من أكبر المواعيد التراثية والشعبية بالمغرب، حيث تحولت فضاءات الموسم إلى مسرح مفتوح للفروسية التقليدية والتبوريدة، وسط حضور جماهيري كبير وأجواء حماسية تستعيد فيها دكالة واحدة من أبرز صور الذاكرة المغربية المرتبطة بالخيول والبارود والفروسية.

وتنظم دورة 2026 خلال الفترة الممتدة من 7 إلى 14 غشت، تحت شعار «التراث الأصيل.. تواصل الأجيال»، في رؤية تسعى إلى تجاوز مفهوم الموسم باعتباره مجرد احتفال سنوي، وتحويله إلى تظاهرة ذات إشعاع وطني ودولي تجمع بين الموروث الثقافي والفرجة والتنشيط الاقتصادي والسياحي.

وتظل التبوريدة، كما في كل دورة، المحرك الرئيسي لهذا الموعد، بعدما احتشدت السربات والفرسان في فضاءات «المحرك»، لتقديم لوحات جماعية تعتمد على الانضباط والدقة والتناسق وسرعة التنفيذ، في مشهد يختزل تاريخ الفروسية المغربية ويمنح الجمهور فرجة لا تتكرر بسهولة خارج مواسم التبوريدة الكبرى.

ولا يتعلق الأمر بمجرد استعراض للخيول، بل بفن تراثي متكامل تتداخل فيه هندسة الحركة، واللباس التقليدي، والبارود، والفرسان، والخيول الأصيلة، والإيقاع الجماعي، وهي عناصر تجعل موسم مولاي عبد الله أمغار أحد أبرز الفضاءات التي تحافظ على هذا الموروث وتنقله من جيل إلى آخر.

وتشير المعطيات المعلنة حول الدورة الحالية إلى مشاركة واسعة للفرسان والسربات، إلى جانب برنامج يجمع عروض التبوريدة والأنشطة الثقافية والتراثية والصيد بالصقور وفنون الحلقة والبرامج الدينية والسهرات الفنية، بما يجعل الموسم فضاء متعدد الأبعاد وليس مجرد موعد للفروسية.

وفي قلب هذه الدينامية، يبرز الدور التنظيمي للسلطات الإقليمية والمحلية، التي تجد نفسها أمام تحدٍ استثنائي يتمثل في تدبير تظاهرة تعرف تدفق أعداد كبيرة من الزوار، وتحتاج في الوقت نفسه إلى ضمان انسيابية حركة السير، وتأمين فضاءات الموسم، وحماية الأشخاص والممتلكات، ومواكبة الأنشطة التجارية والفنية والتراثية.

وفي هذا السياق، يبرز عامل إقليم الجديدة، سيدي صالح داحا، باعتباره أحد المسؤولين الترابيين الذين يتحملون جانباً أساسياً من مسؤولية مواكبة هذه التظاهرة، خصوصاً أن تنظيم موسم بهذا الحجم لا يمكن أن ينجح بالبرمجة الفنية وحدها، وإنما يحتاج إلى تعبئة مختلف المصالح الأمنية والترابية والخدماتية والصحية والوقائية.

وتأتي هذه التعبئة ضمن دينامية ميدانية أوسع عرفها إقليم الجديدة خلال الأشهر الماضية، إذ ارتبط اسم عامل الإقليم بعدد من الزيارات الميدانية وتتبع الأوراش والمشاريع، من سوق الجملة الجديد بمولاي عبد الله إلى مشاريع التأهيل والتنظيم ومحاربة مظاهر الفوضى، في مقاربة تقوم على الانتقال من التدبير المكتبي إلى المعاينة المباشرة للمشاكل.

ويكتسي هذا الأمر أهمية خاصة خلال موسم مولاي عبد الله أمغار، لأن الجماعة تتحول خلال أيام قليلة إلى فضاء استثنائي تتداخل فيه حركة السكان والزوار والفرسان وأصحاب الخيام والتجار وأرباب الأنشطة المختلفة، وهو ما يفرض حضوراً قوياً للسلطات وتنسيقاً متواصلاً بين مختلف المتدخلين.

وتشكل المصالح الأمنية، إلى جانب السلطات المحلية والقوات المساعدة والدرك الملكي والوقاية المدنية وباقي المصالح، العمود الفقري لهذه المنظومة، ليس فقط لضبط النظام العام، وإنما كذلك للتدخل السريع عند الحاجة وتأمين محيط الموسم وتنظيم حركة الوافدين ومواكبة مختلف الفضاءات التي تعرف كثافة بشرية مرتفعة.

وتأتي هذه المهمة في وقت أصبحت فيه التظاهرات الكبرى بإقليم الجديدة مطالبة بتقديم صورة مختلفة عن التنظيم الترابي، خصوصاً مع الرهانات المتزايدة على جعل المنطقة وجهة سياحية وثقافية واقتصادية، وهو ما يجعل الأمن والنظافة والانضباط وجودة الاستقبال جزءاً من نجاح الموسم وليس عناصر ثانوية.

كما أن تجربة السلطات الإقليمية خلال الأشهر الماضية أظهرت توجهاً نحو تشديد التنظيم داخل الفضاءات العمومية، حيث سبق لعامل الإقليم أن أصدر قراراً تنظيمياً يهم الشواطئ استعداداً لصيف 2026، متضمناً مقتضيات تتعلق بالسلامة والتنظيم والصحة والبيئة ومنع بعض الأنشطة الخطرة في المناطق غير الملائمة.

وهذه المقاربة نفسها تفرض نفسها خلال الموسم، حيث يصبح ضبط الفضاء العام ومراقبة الأنشطة وتنظيم حركة الأشخاص والعربات وحماية الزوار عناصر أساسية في ضمان مرور التظاهرة في ظروف طبيعية.

ولا يمكن فصل نجاح موسم مولاي عبد الله أمغار عن الجانب الاقتصادي أيضاً، فالتظاهرة تمنح دفعة قوية للتجارة المحلية، وتفتح فرصاً أمام أصحاب الخيام والباعة والحرفيين والتعاونيات وأرباب الخدمات، كما تستفيد منها قطاعات النقل والإيواء والمطاعم والأنشطة المرتبطة بالفرجة والتراث.

ومن هنا، فإن الموسم لا يمثل فقط مناسبة لاستعراض الخيول والفرسان، وإنما يتحول خلال أيامه إلى دورة اقتصادية واجتماعية مصغرة تستفيد منها شرائح واسعة من الساكنة والمهنيين، وهو ما يفسر الإصرار على تطويره وتحويله إلى موعد وطني ودولي أكثر إشعاعاً.

وتؤكد المعطيات الرسمية الخاصة بدورة 2026 أن الرؤية التنظيمية تتجه نحو توسيع مكونات الموسم، من خلال الجمع بين التبوريدة والصيد بالصقور والأنشطة الثقافية والصناعة التقليدية والمنتجات المحلية والسهرات الفنية والبرامج الدينية، بما يعكس محاولة لبناء عرض متكامل يستجيب لتنوع انتظارات الزوار.

كما أن الموسم يستمد قوته من موقعه الرمزي، باعتباره مرتبطاً بضريح مولاي عبد الله أمغار وبالذاكرة الدينية والتراثية لمنطقة دكالة، وهو ما يمنحه بعداً يتجاوز الفرجة إلى صيانة جزء من الذاكرة الجماعية للمغاربة.

وفي المقابل، فإن ارتفاع أعداد الوافدين يفرض مسؤولية مضاعفة على السلطات، لأن نجاح الموسم لا يقاس فقط بعدد الزوار أو قوة العروض، وإنما بمدى قدرة الأجهزة المكلفة على حماية هؤلاء الزوار وتوفير ظروف آمنة ومنظمة لهم.

وهنا تظهر أهمية العمل الاستباقي الذي يفترض أن يبدأ قبل وصول الجمهور إلى فضاءات الموسم، من خلال تحديد النقاط الحساسة، وضبط مداخل ومخارج الفضاءات، وتنظيم حركة المرور، ومواكبة محركات التبوريدة، وتأمين المناطق التي تعرف تجمعات بشرية كبيرة، إلى جانب الاستعداد لأي طارئ صحي أو أمني.

كما أن حضور السلطات المحلية وسط هذه الدينامية يبعث برسالة مفادها أن موسم مولاي عبد الله أمغار لم يعد مجرد تظاهرة تقليدية تدار بمنطق المناسبة، وإنما أصبح ورشاً ترابياً يحتاج إلى تدبير متكامل تشترك فيه الإدارة الترابية والجماعات والمصالح الأمنية والصحية والوقائية والفاعلون الاقتصاديون والمنظمون.

ويبرز عامل الإقليم سيدي صالح داحا في هذا السياق ضمن مقاربة تقوم على تتبع الملفات ميدانياً، وهي المقاربة التي ظهرت أيضاً في ملفات أخرى بالإقليم، من خلال زيارات ميدانية للمشاريع الكبرى والدفع نحو تسريع الأشغال وإلزام مختلف المتدخلين باحترام الآجال. ففي فبراير الماضي، دعا خلال زيارته لسوق الجملة الجديد بمولاي عبد الله إلى تسريع وتيرة الإنجاز، وربط المشروع بشبكات الماء والكهرباء والتطهير، بما يعكس طبيعة المتابعة الميدانية للملفات التي ترتبط مباشرة بمستقبل المنطقة.

وبهذا المعنى، فإن مواكبة الموسم تدخل ضمن تصور أوسع لإقليم يريد أن يعيد ترتيب مجاله ويستثمر مؤهلاته الثقافية والسياحية والاقتصادية، خاصة أن مولاي عبد الله أمغار يجمع بين البحر والتراث والفروسية والروحانية والنشاط التجاري، وهي عناصر قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية إذا تم استثمارها ضمن رؤية مستدامة.

ويبقى «المحرك» قلب هذه التظاهرة وأكثر فضاءاتها إثارة للجمهور، حيث تستعيد التبوريدة مكانتها كواحدة من أكثر صور التراث المغربي قدرة على جمع الناس حول مشهد واحد، في وقت تتنافس فيه السربات على تقديم عروض تجمع بين قوة الفرسان وجمال الخيول ودقة الطلقات الجماعية.

وفي نهاية المطاف، فإن موسم مولاي عبد الله أمغار 2026 يقدم نفسه كاختبار حقيقي لقدرة إقليم الجديدة على الجمع بين التراث والتنظيم والتنمية، وبين الحفاظ على أصالة الموسم والاستجابة لمتطلبات تظاهرة جماهيرية ضخمة.

وإذا كانت التبوريدة هي القلب النابض للموسم، فإن الأمن والتنظيم والخدمات هي الشرايين التي تضمن استمرار هذا القلب في الاشتغال، وهو ما يجعل جهود عامل الإقليم سيدي صالح داحا والسلطات المحلية والمصالح الأمنية والوقائية جزءاً أساسياً من المشهد، بعيداً عن الأضواء التي تخطفها الخيول والبارود.

إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في أن يسمع الزائر دوي «البارود»، وإنما في أن يغادر مولاي عبد الله أمغار وهو يحمل صورة جيدة عن الإقليم، وعن قدرته على احتضان تظاهرة وطنية كبرى في أجواء آمنة ومنظمة، وعن إمكانية تحويل التراث من مجرد ذاكرة تحتفل بها الأجيال إلى رافعة حقيقية للتنمية والإشعاع.

About The Author