منتدى البحر وسط ورش مفتوح بالجديدة.. حديقة محمد الخامس تتحول إلى عنوان جديد لفوضى التدبير الجماعي
تحولت حديقة محمد الخامس بمدينة الجديدة، خلال الأيام الأخيرة، إلى واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في المدينة، بعدما احتضن فضاؤها جزءاً من فعاليات الدورة التاسعة لـ«منتدى البحر»، في وقت لا تزال فيه أشغال إعادة تأهيل الحديقة والواجهة البحرية المحاذية لها لم تبلغ نهايتها، وهو ما جعل التظاهرة تنظم وسط فضاء يعرف حضور الأتربة ومخلفات الورش والأنابيب والأسلاك ومظاهر الأشغال المفتوحة، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة تدبير المجلس الجماعي للجديدة للفضاء العمومي والتنسيق بين المشاريع والأنشطة المبرمجة.
فالمفارقة تبدو واضحة: مدينة تقدم نفسها باعتبارها مدينة بحرية وسياحية، وتستقبل تظاهرة مخصصة للبحر والبيئة والتنمية المستدامة، بينما يحتضن أحد أهم فضاءاتها الخضراء هذه الفعاليات في محيط لم يستكمل بعد تهيئته بالشكل الذي يسمح باستقبال الزوار في ظروف تليق بصورة المدينة وبطبيعة الحدث.
وتؤكد المعطيات المنشورة أن الدورة التاسعة لمنتدى البحر نظمت من فاتح إلى رابع أكتوبر، وشملت برنامجاً متنوعاً موجهاً بالخصوص إلى الأطفال والشباب، مع أنشطة رياضية وثقافية وفنية وتوعوية، فيما احتضن منتزه محمد الخامس جانباً من برنامج «أرخبيل الأطفال».
غير أن اختيار هذا الفضاء تحديداً، في هذه المرحلة من الأشغال، هو الذي فتح باب النقاش محلياً، خصوصاً أن حديقة محمد الخامس ليست مجرد أرضية فارغة يمكن نصب الخيام فيها ثم إزالتها بعد انتهاء النشاط، وإنما فضاء تاريخي ومتنفس أساسي لساكنة الجديدة، يخضع منذ أشهر لورش لإعادة التأهيل ظل محط انتقادات بسبب طول مدة الأشغال وتعدد المواعيد المرتبطة باستكمالها.
مشروع بثلاثة أشهر.. وأشغال تمتد لأكثر من عام
تعود بداية هذا الورش إلى شتنبر 2025، عندما أعطيت رسمياً انطلاقة أشغال إعادة تأهيل حديقة محمد الخامس، في مشروع قُدمت حينها أهدافه باعتبارها مرتبطة بإعادة الاعتبار إلى واحدة من أهم المعالم الخضراء في المدينة، مع تحديد مدة إنجاز في ثلاثة أشهر وفق المعطيات المنشورة وقتها.
لكن مرور الأشهر لم يؤد إلى إغلاق الورش كما كان منتظراً، إذ استمرت الأشغال خلال سنة 2026، وعادت وضعية الحديقة إلى الواجهة أكثر من مرة بسبب التأخر في الإنجاز، حيث تحدثت تقارير محلية عن اختلاف المواعيد المعلنة لإنهاء المشروع، وعن استمرار أجزاء من الأشغال وعدم اكتمال عدد من المكونات المرتبطة بالحديقة والواجهة البحرية.
وهنا يبرز السؤال الذي يهم الجديديين: كيف يمكن لفضاء ما يزال يعيش مرحلة الأشغال أن يتحول في الوقت نفسه إلى موقع لاحتضان تظاهرة تستقطب الزوار والأطفال والفعاليات المختلفة؟
السؤال لا يتعلق برفض الأنشطة الثقافية أو السياحية أو البيئية، بل يتعلق أساساً بمدى جاهزية الفضاء الذي يستقبلها، وبشروط السلامة والنظافة والاستقبال، وبالمسؤولية عن الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالأشغال أو التجهيزات الموجودة داخل الورش.
المعارضة تطلب توضيحات.. فمن رخص باستغلال الحديقة؟
القضية لم تبق في حدود الانتقادات المتداولة، إذ وجّه فريق المعارضة بمجلس جماعة الجديدة، في الثالث من أكتوبر الجاري، بياناً إلى الرأي العام عبّر فيه عن قلقه بشأن الترخيص باستغلال حديقة محمد الخامس لتنظيم مهرجان، في وقت لا تزال فيه الأشغال، وفق ما أورده البيان، غير مكتملة.
والمهم في موقف المعارضة أنه لم يعترض من حيث المبدأ على تنظيم الأنشطة الثقافية والرياضية والسياحية، وإنما طالب بتوضيحات حول الجوانب القانونية والمالية والتدبيرية لاستغلال الملك العمومي الجماعي، بما في ذلك الجهة التي أصدرت الترخيص، والسند القانوني المعتمد، وطبيعة المقابل المالي، ومدى تأثير النشاط على الأشغال الجارية.
وهذه أسئلة مشروعة، لأن تدبير الملك العمومي الجماعي لا ينبغي أن يخضع لمنطق الارتجال، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفضاء يخضع في الوقت نفسه لصفقة أشغال عمومية.
من يتحمل مسؤولية التنسيق؟
المشكلة الأساسية التي تكشفها واقعة منتدى البحر لا تتعلق فقط بالأتربة والغبار، وإنما بطريقة التنسيق بين مختلف المتدخلين.
فإذا كانت الحديقة ورشاً، فمن المفترض أن تكون هناك ترتيبات واضحة تحدد المناطق الآمنة والمناطق غير القابلة للاستغلال، وكيفية دخول الزوار وخروجهم، ومساراتهم، وحماية التجهيزات، وضمان عدم تأثير الأنشطة المؤقتة على تقدم الأشغال.
أما إذا كان جزء من الحديقة أصبح جاهزاً للاستغلال، فإن الرأي العام المحلي من حقه أن يعرف بشكل واضح ما الذي تم تسلمه، وما الذي ما يزال في طور الإنجاز، ومن يتحمل مسؤولية الترخيص، وهل تم التنسيق مع الشركة المكلفة بالأشغال أم لا.
هذه ليست تفاصيل إدارية هامشية، بل أسئلة مرتبطة مباشرة بحماية المال العام وبسلامة المواطنين وبحسن تدبير مشروع ينتظر الجديديون انتهاءه منذ مدة طويلة.
حديقة محمد الخامس ليست مجرد مساحة لإقامة الخيام
وتزداد حساسية الموضوع بالنظر إلى القيمة الرمزية للحديقة وموقعها داخل المدينة.
فبرنامج عمل جماعة الجديدة يضع هذا الفضاء ضمن تصور أوسع لتأهيل المجال الحضري والسياحي للمدينة، كما أن المشروع الحالي يرتبط بإعادة تنظيم جزء مهم من الواجهة البحرية.
وبالتالي، فإن أي تدخل في هذه الحديقة يفترض أن يأخذ بعين الاعتبار وظيفتها البيئية والجمالية والتاريخية، وليس فقط قدرتها على استيعاب نشاط مؤقت.
وقد أثارت الأشغال نفسها، خلال الأشهر الماضية، نقاشاً واسعاً حول طبيعة التهيئة، وجودة بعض الأشغال، ومصير الأشجار والمكونات التاريخية للفضاء، فضلاً عن طول مدة الورش.
ومن هنا فإن تنظيم نشاط جماهيري في محيط لم يستكمل بعد يضاعف الحاجة إلى الشفافية، بدل أن يخففها.
المجلس الجماعي أمام اختبار التدبير
الواقعة تعيد النقاش إلى مسؤولية المجلس الجماعي للجديدة في تدبير الملك العمومي ومواكبة المشاريع الكبرى التي تعرفها المدينة.
فالجديدة تعيش منذ مدة على وقع أوراش مرتبطة بالواجهة البحرية والحديقة والكورنيش، وهي أوراش يمكن أن تغير صورة المدينة بشكل كبير إذا أنجزت بالجودة المطلوبة وفي الآجال المحددة، لكن المرحلة الانتقالية تحتاج بدورها إلى تدبير صارم حتى لا تتحول الأوراش إلى مصدر للفوضى أو إلى عبء على السكان والزوار.
والأهم أن المجلس مطالب اليوم بتقديم أجوبة واضحة بدل ترك الباب مفتوحاً للتأويلات: من منح الترخيص؟ ما هي شروطه؟ هل تم تحديد المقابل المالي لاستغلال الملك العمومي؟ من تكفل بتأمين الفضاء؟ وما هي التدابير التي اتخذت لحماية الورش؟ وهل تتحمل الجهة المنظمة أي تكاليف أو أضرار مرتبطة باستغلال الموقع؟
ثم هناك سؤال آخر أكثر أهمية: متى ستنتهي الأشغال فعلياً؟
فالمواطن الجديدي لا يحتاج إلى مواعيد جديدة أو تبريرات إضافية، بقدر ما يحتاج إلى حديقة مفتوحة وآمنة وجميلة، وإلى مشروع ينتهي وفق المعايير والآجال، وإلى وضوح كامل في كيفية تدبير المال والملك العموميين.
بين منتدى البحر وواقع الورش.. صورة تختزل أزمة أكبر
قد تكون فكرة تنظيم منتدى يهتم بالبحر والبيئة والشباب في الجديدة فكرة إيجابية في حد ذاتها، كما أن المدينة في حاجة إلى تظاهرات تساهم في تنشيطها وإبراز مؤهلاتها الساحلية.
لكن نجاح أي تظاهرة لا يقاس فقط بجودة برنامجها، وإنما أيضاً بالفضاء الذي يحتضنها وبظروف استقبال الجمهور.
وفي الحالة الحالية، بدت المفارقة صارخة: منتدى يرفع شعار حماية المحيط وتنمية الوعي البيئي، بينما جزء من محيطه يعيش على وقع الأتربة ومخلفات الأشغال، في انتظار أن تستعيد حديقة محمد الخامس صورتها التي ينتظرها سكان المدينة.
المطلوب اليوم ليس إلغاء الأنشطة ولا تعطيل الحياة الثقافية والسياحية في الجديدة، وإنما إنهاء منطق التدبير المتوازي غير المنسق: ورش مفتوح من جهة، وتظاهرات جماهيرية في المكان نفسه من جهة أخرى، من دون أن تكون الصورة واضحة للرأي العام حول المسؤوليات والتراخيص وشروط الاستغلال.
وإذا كان المجلس الجماعي للجديدة يريد فعلاً طي هذا الملف، فإن أبسط ما يمكن القيام به هو نشر المعطيات المرتبطة بالترخيص، والكشف عن الوضعية الحالية للصفقة، وتحديد تاريخ واضح لنهاية الأشغال، وتوضيح العلاقة بين الجهة المنظمة للمنتدى والشركة المكلفة بالتهيئة، مع تقديم حصيلة دقيقة لما تم إنجازه وما تبقى من المشروع.
فالجديدة لا تحتاج إلى مزيد من الارتجال في تدبير فضاءاتها، بل تحتاج إلى حكامة واضحة، وتنسيق مؤسساتي، واحترام للملك العمومي، وتسريع للأوراش، حتى تتحول حديقة محمد الخامس من ورش مفتوح ومصدر للجدل إلى واجهة حضرية تليق بمدينة الجديدة وموقعها السياحي والبحري.
