اكتساح كاسح للانتخابات الجزئية الجماعية والمهنية… شوكي يقود “الأحرار” من أول اختبار إلى تفوق وطني
في قراءة جديدة للمشهد السياسي المغربي، حملت نتائج الانتخابات الجزئية الجماعية والمهنية الأخيرة مؤشرات قوية على تحولات عميقة داخل الخريطة الحزبية، بعد أن تمكن حزب التجمع الوطني للأحرار من تحقيق تفوق لافت، أعاد ترتيب موازين القوى وفتح نقاشاً واسعاً حول المرحلة المقبلة.
اللافت في هذه المحطة ليس فقط حجم النتائج، بل توقيتها أيضاً، إذ جاءت في سياق دقيق يسبق الاستحقاقات التشريعية المقبلة، ما يمنحها بعداً سياسياً يتجاوز طابعها الجزئي.
شوكي… أول اختبار ونتائج حاسمة
في قلب هذا التحول، برز اسم محمد شوكي، الذي يقدم كأحد الوجوه القيادية الجديدة داخل الحزب، حيث خاض أول محطة انتخابية له بهذه الصفة، في ما يمكن اعتباره تجربة ميدانية حقيقية لقياس قدرته على تدبير المعارك الانتخابية.
ووفق المعطيات المتوفرة، فإن شوكي نجح في تحويل هذا “الاختبار الأول” إلى محطة حاسمة، بعدما قاد الحزب إلى تحقيق نتائج قوية في عدد من الدوائر، مكرساً صورة قيادة ميدانية تشتغل بهدوء، لكنها تحقق أثراً واضحاً على مستوى النتائج.
فاس–مكناس… قلب الاكتساح
شكلت جهة فاس مكناس واحدة من أبرز ساحات هذا التفوق، حيث تمكن الحزب من فرض حضوره في عدد من الأقاليم، خاصة بإقليم بولمان، الذي سجل فيه نتائج كاملة بنسبة نجاح 100% في المقاعد التي تم الترشح لها.
كما برز الحضور القوي للحزب بمدينة فاس، خصوصاً بدائرة جماعة المشور، حيث أكد امتداده داخل المجال الحضري، في وقت واصل فيه تثبيت قواعده بالعالم القروي.
أما بإقليم تاونات، فقد تمكن الحزب من تحقيق اختراق نوعي، عبر انتزاع مقاعد مهمة، من بينها مقعد بالغرفة الفلاحية كان في حوزة حزب الأصالة والمعاصرة، وبفارق كبير من الأصوات.
امتداد عبر 12 جهة… نموذج يتوسع
ولم تقتصر هذه الدينامية على جهة بعينها، بل امتدت إلى مختلف جهات المملكة، حيث أظهرت النتائج تقدماً ملحوظاً للحزب في عدد من الدوائر عبر الجهات الاثنتي عشرة.
هذا الامتداد يعكس، حسب متابعين، نجاح نموذج تنظيمي قائم على الحضور الميداني، والتنسيق المحكم، والاستعداد المبكر، وهو ما مكن الحزب من تحقيق نتائج متقدمة في سياقات محلية مختلفة.
ثقة متجددة في الحزب والحصيلة الحكومية
وفي خلفية هذه النتائج، تبرز قراءة سياسية تعتبر أن جزءاً من هذا التفوق يعود إلى تجديد الثقة في حزب التجمع الوطني للأحرار، بناءً على قناعة فئات من المواطنين بالحصيلة الحكومية التي يقودها عزيز أخنوش.
ويُنظر إلى هذه النتائج كإشارة سياسية تعكس نوعاً من القبول الشعبي لاستمرار نفس التوجه، خاصة في ظل استمرار الحزب في تبني خطاب القرب والتواصل المباشر مع المواطنين.
كما يرى متابعون أن انتقال القيادة الميدانية إلى محمد شوكي لم يكن قطيعة، بل امتداداً لمسار تنظيمي تم بناؤه على مدى سنوات، قبل أن يتم تطويره وتكييفه مع رهانات المرحلة.
ضربة قوية للمنافسين
في المقابل، أفرزت هذه الانتخابات تراجعاً واضحاً لعدد من الأحزاب المنافسة، حيث وجدت نفسها أمام فارق كبير في الأصوات في عدة دوائر.
وسجل كل من حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة نتائج أقل من التوقعات في بعض المناطق، بينما تكبد حزب العدالة والتنمية خسائر وُصفت بالأقسى، بعدما فقد مواقع انتخابية كانت تُعتبر تقليدياً ضمن نفوذه.
ويرى متتبعون أن هذه النتائج تعكس استمرار أزمة هذا الحزب، وصعوبة استعادة توازنه السياسي والتنظيمي في المدى القريب.
الميدان مقابل الضجيج الرقمي
ومن بين الرسائل التي أفرزتها هذه الانتخابات، تفوق العمل الميداني على الحملات الرقمية، حيث أظهرت النتائج أن الحضور الواقعي والتواصل المباشر مع الناخبين يظل العامل الحاسم.
ففي وقت اعتمدت فيه بعض الأطراف على التفاعل عبر مواقع التواصل، تمكن الحزب من ترجمة حضوره الميداني إلى نتائج ملموسة، ما يعيد النقاش حول فعالية “النضال الرقمي” في مقابل العمل التنظيمي التقليدي.
نحو مرحلة سياسية جديدة
تضع هذه النتائج الساحة السياسية أمام مرحلة جديدة، عنوانها إعادة ترتيب الأوراق قبل الانتخابات التشريعية المقبلة، حيث يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار يدخل هذا الموعد بزخم واضح، مستفيداً من نتائجه الأخيرة ومن دينامية تنظيمية متواصلة.
وفي هذا السياق، يبرز محمد شوكي كأحد الأسماء التي قد يكون لها دور أكبر خلال المرحلة المقبلة، خاصة إذا استمر في تحقيق نفس الإيقاع على مستوى التدبير الميداني.
في المحصلة، تؤكد هذه الانتخابات أن المشهد السياسي المغربي يعرف تحولات متسارعة، وأن قواعد اللعبة الانتخابية باتت ترتكز أكثر على القرب من المواطن، والتنظيم المحكم، والقدرة على تحويل الخطاب السياسي إلى نتائج على أرض الواقع.
