الجديدة أمام امتحان الاستثمار.. هل تتحول مؤهلات الإقليم إلى ثروة وفرص شغل؟
جديدتي 27 غشت 2026
لم يعد السؤال المطروح اليوم في إقليم الجديدة هو ما إذا كانت المنطقة تتوفر على مؤهلات اقتصادية كبرى، فهذه حقيقة يصعب الاختلاف حولها، وإنما أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو كيف يمكن تحويل هذه المؤهلات إلى استثمارات منتجة وفرص شغل وتنمية مستدامة؟
فالجديدة تتوفر على مقومات تجعلها من الأقاليم القادرة على لعب دور اقتصادي أكبر داخل جهة الدار البيضاء-سطات، بفضل موقعها الجغرافي، ومؤهلاتها الصناعية والفلاحية، وانفتاحها على الساحل، وقربها من أحد أكبر الأقطاب الاقتصادية بالمملكة. غير أن امتلاك المؤهلات شيء، والقدرة على تحويلها إلى مشاريع ناجحة شيء آخر.
وفي هذا السياق، تكتسي سياسة مواكبة الاستثمار أهمية متزايدة، خصوصاً مع تركيز المبادرات الأخيرة الموجهة لمغاربة العالم على تعريف المستثمرين بفرص الاستثمار المتاحة ومواكبة حاملي المشاريع عن قرب.
وهنا يمكن أن تتحول الجديدة إلى وجهة استثمارية حقيقية إذا نجحت المؤسسات الترابية والاقتصادية في إزالة التعقيدات التي قد تعترض المستثمر، وتسريع المساطر، وتوفير العقار الاقتصادي، وربط المشاريع بالبنيات التحتية والخدمات الضرورية.
الرهان ليس في عدد المشاريع.. بل في نوعيتها
التنمية الاقتصادية لا تقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو حجم الأموال المعلنة، وإنما بقدرة المشاريع على إنتاج قيمة مضافة دائمة.
فالمنطقة الصناعية، مثلاً، لا تصبح ناجحة بمجرد تهيئة الأرض، وإنما عندما تتحول إلى فضاء فعلي للإنتاج والاستثمار والتشغيل. والمشروع السياحي لا يقاس فقط بحجم الاستثمار، بل بعدد مناصب الشغل التي يوفرها وبالأثر الذي يتركه على الاقتصاد المحلي.
وهنا تبرز أهمية العمل الذي يمكن أن تقوم به الإدارة الترابية في الجديدة، لأن عامل الإقليم لا يملك وحده قرار الاستثمار، لكنه يستطيع أن يؤدي دوراً أساسياً في تعبئة المتدخلين، وتقريب الإدارة من المستثمر، وتسريع التنسيق بين المصالح، وتتبع الملفات التي تتطلب تدخلاً متعدد القطاعات.
وهذا تحديداً هو المجال الذي يمكن أن تظهر فيه كفاءة سيدي صالح داحا، باعتباره مسؤولاً ترابياً يمتلك تجربة طويلة في تدبير الملفات المعقدة والعمل الميداني. وتظهر في سيرته المهنية مسؤوليات سابقة في الإدارة الترابية ومهام مرتبطة بالتعاون والشؤون الداخلية، قبل تعيينه عاملاً على إقليم الجديدة.
داحا أمام فرصة لبناء نموذج جديد
وجود عامل يمتلك تجربة في الإدارة الترابية يمكن أن يكون عاملاً مساعداً في مرحلة تحتاج فيها الجديدة إلى الانتقال من تدبير الملفات إلى هندسة التنمية.
والفارق كبير بين الاثنين.
فتدبير الملف يعني معالجة الإشكال عندما يظهر، بينما هندسة التنمية تعني استباق الإشكالات، وتحديد الأولويات، وجمع المتدخلين، وربط المشاريع ببعضها، ثم مراقبة مدى تحقيقها للنتائج.
وهذا هو التحدي الذي يمكن أن يواجهه سيدي صالح داحا خلال المرحلة المقبلة: كيف يجعل من الإمكانات الاقتصادية الهائلة التي يتوفر عليها الإقليم منظومة متكاملة للاستثمار والتشغيل؟
مغاربة العالم.. فرصة لا ينبغي أن تضيع
ومن الزوايا التي تستحق اهتماماً أكبر ملف استثمارات مغاربة العالم.
فمغاربة العالم لا يمثلون فقط تحويلات مالية، وإنما يتوفر جزء مهم منهم على رؤوس أموال وخبرات وشبكات اقتصادية يمكن توجيهها نحو مشاريع منتجة داخل الأقاليم.
والمطلوب بالنسبة للجديدة ليس فقط استقبال المستثمر خلال فترة الصيف، وإنما بناء مسار دائم للمواكبة: تعريفه بالعقار المتاح، توضيح المساطر، تسهيل التواصل مع المصالح المختصة، ومساعدته على الانتقال من فكرة الاستثمار إلى المشروع الفعلي.
وهنا يمكن للإدارة الترابية أن تلعب دوراً مهماً في ربط المستثمر بمختلف المؤسسات، خصوصاً عندما يتعلق المشروع باستثمارات تتقاطع فيها اختصاصات متعددة.
الجديدة تحتاج إلى عقلية اقتصادية جديدة
ما تحتاجه الجديدة في المرحلة المقبلة ليس المزيد من الشعارات حول المؤهلات، وإنما عقلية اقتصادية جديدة تجعل كل مشروع وسيلة لتحقيق هدف أكبر.
إذا تم إنشاء طريق، فينبغي أن يخدم الاستثمار.
إذا تمت تهيئة منطقة صناعية، فينبغي أن ترتبط بسياسة لاستقطاب المقاولات.
إذا جرى تطوير الواجهة البحرية، فينبغي أن يكون ذلك جزءاً من استراتيجية سياحية واقتصادية.
وإذا تم استقطاب مستثمر، فينبغي أن يكون قادراً على خلق قيمة مضافة وفرص شغل محلية.
وهنا بالضبط يصبح دور العامل أكثر تعقيداً وأهمية، لأنه يتحرك في منطقة تلتقي فيها الإدارة والاقتصاد والمنتخبون والمؤسسات العمومية والمستثمرون.
الرهان الحقيقي.. ماذا ستربح الجديدة من هذه الدينامية؟
قد يكون السؤال الأكثر أهمية خلال السنوات المقبلة بسيطاً جداً: ماذا سيحصل المواطن الجديدي مقابل كل هذه المشاريع والاستثمارات؟
الجواب يجب أن يكون واضحاً: فرص شغل أكثر، خدمات أفضل، بنية تحتية أقوى، استثمارات منتجة، ومجال ترابي أكثر جاذبية.
وإذا استطاعت الإدارة الترابية بقيادة سيدي صالح داحا أن تجمع هذه العناصر في رؤية واحدة، فإن الجديدة ستكون أمام فرصة حقيقية للانتقال من إقليم يتوفر على مؤهلات اقتصادية كبيرة إلى قطب اقتصادي أكثر تأثيراً داخل جهة الدار البيضاء-سطات.
وهذا هو الملف الذي أراه أقوى من إعادة الحديث عن مشاريع التهيئة نفسها: المعركة المقبلة ليست معركة إسمنت وطرق فقط، وإنما معركة استثمار وتشغيل وتنافسية.
والنجاح فيها لن يقاس بما سيقال في الاجتماعات، بل بما سيظهر في المصانع، والمقاولات، ومناصب الشغل، وحجم الاستثمارات التي ستختار الجديدة بدل وجهات أخرى.
