رئاسة النيابة العامة ترفع درجة اليقظة الانتخابية.. ودعوات لتعزيز حياد المؤسسات وتحصين الثقة في المسار الديمقراطي

hicham-belaoui-1747082519

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وجهت رئاسة النيابة العامة إشارات قوية بشأن ضرورة حماية المسلسل الانتخابي من أي ممارسات قد تمس بمصداقيته، وذلك من خلال دورية دعت فيها مختلف النيابات العامة إلى التعامل بصرامة وحزم مع المخالفات المرتبطة بعملية القيد في اللوائح الانتخابية، باعتبارها الحلقة الأولى والأساسية في البناء الديمقراطي.

ويأتي هذا التحرك القضائي في سياق وطني يتسم بارتفاع منسوب الترقب السياسي والاستعدادات الانتخابية المبكرة، حيث تتجه الأنظار إلى مدى قدرة مختلف المؤسسات على ضمان انتخابات تتمتع بأعلى درجات النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين.

وأكدت رئاسة النيابة العامة، من خلال دوريتها الموجهة إلى الوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك بمختلف محاكم المملكة، أن عملية التسجيل في اللوائح الانتخابية لا تشكل مجرد إجراء إداري، بل تمثل البوابة القانونية التي تحدد الهيئة الناخبة وتؤسس لمشروعية مختلف المراحل اللاحقة من العملية الانتخابية. ومن هذا المنطلق، شددت على ضرورة التصدي لكل الأفعال والممارسات التي يمكن أن تؤثر على سلامة هذه المرحلة أو تفرغها من مضمونها الديمقراطي.

وتعكس هذه الدورية وعياً متزايداً بأهمية تحصين الانتخابات منذ بداياتها الأولى، خاصة أن التجارب الانتخابية الحديثة أظهرت أن الثقة في النتائج النهائية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسلامة المراحل التمهيدية التي تسبق يوم الاقتراع.

غير أن عدداً من المتابعين يعتبرون أن نجاح هذا التوجه يظل رهيناً بتكامل الأدوار بين مختلف المؤسسات المتدخلة، وعدم الاكتفاء فقط بالجانب الزجري والقانوني. فالمطلوب، بحسب العديد من القراءات السياسية والقانونية، هو ترسيخ ثقافة الحياد المؤسساتي بشكل عملي وواضح، بما يضمن بقاء المرافق والإدارات العمومية على مسافة واحدة من جميع الفاعلين السياسيين.

وفي هذا الإطار، يبرز مطلب تعزيز الفصل الواضح بين العمل الحزبي وتدبير الشأن الإداري والمؤسساتي، بما يقطع الطريق أمام كل التأويلات التي قد تثار خلال الفترات الانتخابية بشأن طبيعة العلاقات بين بعض المنتخبين أو المسؤولين الحزبيين ومختلف المتدخلين في تدبير الشأن العام. فالديمقراطيات الحديثة لا تبنى فقط على احترام القانون، بل أيضاً على ترسيخ الثقة الجماعية في حياد المؤسسات واستقلالية قراراتها.

كما أن حماية المسار الانتخابي تقتضي، وفق عدد من المهتمين بالشأن العام، تشديد المراقبة على مختلف الممارسات التي قد تسبق الحملات الانتخابية الرسمية، سواء تعلق الأمر باستغلال النفوذ أو توظيف بعض الأنشطة ذات الطابع العمومي أو استثمار المواقع التمثيلية والمؤسساتية لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية.

وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل الرهانات الكبرى المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة، والتي ينتظر منها أن تشكل محطة جديدة لتعزيز المسار الديمقراطي المغربي وترسيخ الإصلاحات المؤسساتية التي راكمتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، يمنح تدخل رئاسة النيابة العامة رسالة طمأنة قوية للرأي العام مفادها أن السلطة القضائية عازمة على مواكبة مختلف مراحل العملية الانتخابية والتصدي لكل التجاوزات المحتملة وفق ما يتيحه القانون من آليات وإجراءات زجرية.

لكن التحدي الحقيقي يظل في الانتقال من مرحلة التنبيه والتوجيه إلى مرحلة التطبيق الصارم والميداني للقانون، بما يضمن عدم الإفلات من المساءلة، ويكرس مبدأ المساواة أمام القانون، ويحافظ على الثقة في المؤسسات وفي سلامة الاختيار الديمقراطي للمواطنين.

إن المرحلة المقبلة تفرض على جميع المتدخلين، من أحزاب وإدارة وسلطات وهيئات رقابية ومجتمع مدني، الانخراط في ورش جماعي هدفه حماية العملية الانتخابية من كل الشبهات والتجاوزات، وجعل التنافس السياسي قائماً على البرامج والأفكار وخدمة المواطنين، بعيداً عن كل الممارسات التي قد تسيء إلى صورة الديمقراطية أو تضعف ثقة الناخبين في مؤسساتهم.

وفي هذا السياق، تبدو دورية رئاسة النيابة العامة خطوة مهمة في مسار تحصين الاستحقاقات المقبلة، لكنها تظل جزءاً من منظومة متكاملة تحتاج إلى اليقظة المستمرة، والحياد المؤسساتي الصارم، والتفعيل الحازم للقانون، حتى تمر الانتخابات المقبلة في أجواء تعكس نضج التجربة الديمقراطية المغربية وتعزز ثقة المواطنين في مؤسسات دولتهم.

About The Author