ساحة بوشريط بين ذاكرة الحلقة ورهان الإحياء… هل يعيد العامل سيدي صالح داحا الروح إلى قلب الجديدة؟

671667887_26598159876536981_6554479094780297899_n

في قلب الجديدة، حيث تختلط الذاكرة الشعبية بنبض الحياة اليومية، تقف ساحة بوشريط كواحدة من أبرز الفضاءات التي كانت، إلى وقت قريب، عنواناً حقيقياً لفنون “الحلقة” وروح الفرجة الشعبية التي ميّزت مدن دكالة. غير أن هذا الفضاء، الذي كان يعج بالحياة، تحول تدريجياً إلى مساحة صامتة، تائهة بين الإهمال والتحولات العمرانية، في انتظار من يعيد له الاعتبار.

ذاكرة مكان… حين كانت الحلقة لغة المدينة

لم تكن ساحة بوشريط مجرد فضاء عابر، بل كانت مسرحاً مفتوحاً للحياة. هنا، تحت ظلال “كرمة بوشريط” العتيقة، كانت الحكايات تُروى، والضحكات تتعالى، والفنانون الشعبيون – من “الحلايقية” القادمين من الجديدة وآزمور ومختلف مناطق دكالة – يصنعون فرجة يومية تجذب الصغير والكبير.

هذا الفضاء ارتبط عضوياً بتاريخ المدينة، حيث كانت “الكرمة” نفسها شاهدة على تجمعات واحتفالات اجتماعية تعود لقرون، ما يجعل المكان جزءاً من الذاكرة الجماعية للساكنة . لكن هذه الصورة بدأت تتلاشى منذ تسعينيات القرن الماضي، حين بدأ فن الحلقة يختفي تدريجياً، حتى وُصف الأمر بأنه “جنازة لفن شعبي” تم دفنه بصمت .

من فضاء ثقافي إلى اختلال حضري

اليوم، لم تعد ساحة بوشريط تعكس وهجها القديم، بل أصبحت تعاني من اختلالات واضحة، أبرزها احتلال الملك العمومي، الفوضى التجارية، وتراجع جاذبية الفضاء كوجهة ثقافية أو سياحية. وقد اضطرت السلطات في أكثر من مناسبة إلى التدخل لتحرير الملك العمومي وتنظيم الفضاء .

هذا التحول يعكس إشكالية أعمق تتعلق بفقدان الهوية الثقافية للفضاءات العمومية، حيث تم تعويض الفرجة الشعبية بالفوضى، والذاكرة الجماعية بالاستهلاك العشوائي.

هل يحمل العامل سيدي صالح داحا مشروع الإحياء؟

في ظل هذا الواقع، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل يستطيع عامل إقليم الجديدة، سيدي صالح داحا، إعادة الروح إلى ساحة بوشريط، وتحويلها من فضاء مهمّش إلى قطب ثقافي وسياحي؟

المعطيات الميدانية تشير إلى أن الرجل دخل مرحلة تنزيل مشاريع تنموية بالإقليم، تقوم على إعادة هيكلة الفضاءات الحضرية وتعزيز جاذبية المدينة، وهو ما يفتح الباب أمام إمكانية إدماج ساحة بوشريط ضمن رؤية جديدة تقوم على:

  • إعادة تهيئة الساحة بشكل يحفظ طابعها التاريخي
  • إحياء فنون الحلقة كرافعة ثقافية وسياحية
  • تنظيم الفضاء ومحاربة الاحتلال العشوائي
  • إدماج الساحة في المسارات السياحية للمدينة

الحلقة… رافعة سياحية مهدورة

تجارب مدن مغربية أخرى، مثل وجدة، أظهرت أن إعادة الاعتبار لفن الحلقة داخل الساحات العمومية يمكن أن يعيد لها مكانتها كمعالم ثقافية بارزة، ويحولها إلى فضاءات جذب سياحي حقيقية .

وبالنسبة للجديدة، فإن استعادة هذا الإرث لا تمثل فقط حفاظاً على الذاكرة، بل فرصة اقتصادية أيضاً، خاصة في ظل البحث عن تنويع العرض السياحي خارج النمط التقليدي المرتبط بالبحر فقط.

بين الإرادة والتحدي

غير أن إعادة إحياء ساحة بوشريط لن تكون مهمة سهلة، فهي تتطلب إرادة حقيقية، وتنسيقاً محكماً بين السلطات المحلية، والمجتمع المدني، والفاعلين الثقافيين. كما تحتاج إلى تصور واضح يوازن بين التنظيم الحضري والحفاظ على روح المكان.

الجديدة أمام لحظة مفصلية

اليوم، تقف الجديدة أمام مفترق طرق: إما أن تواصل فقدان فضاءاتها التاريخية واحداً تلو الآخر، أو أن تستثمر في ذاكرتها الثقافية لتحويلها إلى قوة ناعمة تدعم التنمية.

ويبقى الرهان معلقاً على قدرة سيدي صالح داحا على تحويل ساحة بوشريط من رمز للنسيان إلى نموذج للإحياء… لأن المدن لا تُقاس فقط بمشاريع الإسمنت، بل أيضاً بقدرتها على حماية روحها.

About The Author