انتخابات شتنبر 2026… حين تسبق الوعودُ القانون وتختلط التزكيات بحسابات النفوذ
جديدتي 2 ماي 2026
على بُعد أشهر قليلة من موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، يتشكل مشهد سياسي متوتر، لا تحكمه فقط قواعد التنافس الديمقراطي، بل تتنازعه أيضًا ممارسات تقليدية تعود إلى الواجهة في كل موسم انتخابي. فقبل انطلاق الحملة الرسمية، يبدو أن سباقًا موازيًا قد بدأ بالفعل، عنوانه الأبرز: التزكيات، الترحال السياسي، وتوزيع الوعود خارج الزمن القانوني.
هذا الحراك المبكر يكشف عن مفارقة لافتة؛ إذ بينما راهن المشرّع على تحديث المنظومة الانتخابية وتشديد الرقابة على نزاهتها، ما تزال بعض السلوكات القديمة تقاوم التغيير، بل وتجد لنفسها مساحات جديدة للتحرك، في ظل ضعف التأطير الحزبي وغياب الوعي القانوني لدى عدد من المرشحين.
الترحال السياسي… تكتيك انتخابي أم أزمة انتماء؟
مع اقتراب موعد الحسم في لوائح الترشيح، عادت ظاهرة الترحال السياسي لتطفو على السطح بقوة. منتخبون ومرشحون محتملون، وجدوا أنفسهم خارج حسابات أحزابهم الأصلية، لم يترددوا في تغيير الوجهة نحو تنظيمات أخرى، بحثًا عن فرصة جديدة للترشح.
غير أن هذا الترحال، في كثير من الحالات، لا يعكس تحولات فكرية أو مراجعات سياسية، بقدر ما يعكس منطق “البقاء في اللعبة” بأي ثمن. بل إن بعض رؤساء الجماعات المحلية باتوا يناورون بطريقة أكثر تعقيدًا: يسعون إلى مغادرة أحزابهم بشكل “قانوني” يحفظ لهم مناصبهم، وفي الوقت ذاته ينسجون علاقات مع أحزاب أخرى لضمان التزكية.
هذه الدينامية تطرح أسئلة حقيقية حول معنى الالتزام الحزبي، وحدود الأخلاق السياسية، في ظل غياب آليات رادعة تحد من هذا النوع من السلوك.
حملات انتخابية مقنّعة… ووعود تحت طائلة القانون
في موازاة ذلك، انخرط عدد من المرشحين في ما يشبه حملات انتخابية مبكرة، وإن كانت بطرق غير مباشرة. لقاءات محلية، وعود بالتشغيل، مشاريع تنموية، التزامات بفك العزلة… كلها رسائل تُمرر إلى الناخبين، في محاولة لبناء قاعدة دعم قبل الأوان.
لكن ما كان يُعتبر في السابق جزءًا من “اللعبة السياسية”، أصبح اليوم خاضعًا لقيود قانونية صارمة. فالتعديلات الأخيرة على القوانين الانتخابية جرّمت بشكل واضح كل أشكال الاستمالة المسبقة، بما فيها تقديم الوعود خارج الفترة الرسمية للحملة.
وبموجب هذه المقتضيات، قد يجد المرشح نفسه أمام عقوبات ثقيلة، تصل إلى إلغاء ترشيحه أو إسقاط مقعده بعد الفوز، وهو ما يعكس إرادة واضحة في القطع مع الفوضى التي كانت تطبع المراحل السابقة من العملية الانتخابية.
أحزاب بلا بوصلة قانونية؟
ورغم هذا التحول التشريعي، يبدو أن عددًا من الأحزاب لم يواكب بعد هذه المستجدات بالشكل المطلوب. فبدل أن تضع القانون في صلب عملية التأطير، انشغلت في كثير من الأحيان بتدبير التوازنات الداخلية، وتوزيع التزكيات وفق حسابات انتخابية ضيقة.
النتيجة أن بعض المرشحين يدخلون السباق وهم يجهلون حدود المسموح والممنوع، أو يتعاملون مع القوانين الجديدة بنوع من الاستخفاف، ما يعرضهم لمخاطر قانونية حقيقية.
هذا القصور في التأطير يعكس، في العمق، أزمة أدوار تعيشها الأحزاب، التي يفترض فيها أن تكون فضاءً للتكوين السياسي، لا مجرد آلية انتخابية موسمية.
الدولة في موقع الحَكَم… بين الضبط والحياد
أمام هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى دور وزارة الداخلية المغربية، باعتبارها الجهة المشرفة على تنظيم الانتخابات، والمطالبة بضمان احترام القانون من طرف جميع المتدخلين.
التحدي اليوم لا يكمن فقط في إصدار القوانين، بل في تفعيلها ميدانيًا، عبر تتبع التجاوزات، والتدخل في الوقت المناسب، دون المساس بمبدأ الحياد. فنجاح العملية الانتخابية رهين بقدرة الدولة على فرض قواعد اللعبة بشكل عادل ومتوازن.
وفي هذا السياق، يبرز أيضًا دور مختلف أجهزة إنفاذ القانون، بما فيها الدرك الملكي والمصالح الأمنية، التي يُفترض أن تشتغل في إطار من الاستقلالية، بعيدًا عن أي تأثيرات سياسية.
مسافة ضرورية… لحماية الثقة
من بين الشروط الأساسية لضمان انتخابات نزيهة، الحفاظ على مسافة واضحة بين الإدارة والفاعلين السياسيين. فكل تقارب غير مبرر، أو تواصل خارج الإطار المؤسسي، قد يُفسَّر على أنه انحياز، حتى وإن لم يكن كذلك في الواقع.
لذلك، يصبح من الضروري أن يلتزم رجال السلطة بمبدأ الحياد الصارم، وأن يتجنبوا أي سلوك قد يمس بصورة النزاهة، خاصة في هذه المرحلة الحساسة. فالمعركة اليوم ليست فقط حول النتائج، بل حول مصداقية المسار برمته.
رهان الثقة قبل صناديق الاقتراع
في النهاية، يبدو أن انتخابات 2026 تطرح رهانًا مزدوجًا: تنظيم اقتراع في احترام تام للقانون، واستعادة ثقة المواطن في العملية السياسية. وبين هذا وذاك، تتحدد مسؤوليات الجميع: مرشحون مطالبون بالالتزام، أحزاب مطالبة بالتأطير، ودولة مطالبة بالضبط دون انحياز.
فإذا كانت التزكيات تُمنح داخل مقرات الأحزاب، فإن الشرعية الحقيقية تُصنع في وعي الناخب، الذي بات أكثر إدراكًا لتفاصيل اللعبة، وأقل قابلية للانخداع بالوعود.
وعليه، فإن نجاح هذا الاستحقاق لن يُقاس فقط بنسبة المشاركة أو عدد المقاعد، بل بمدى احترام قواعد النزاهة، وقدرة الفاعلين على الارتقاء بالممارسة السياسية من منطق “الفرص” إلى منطق “المسؤولية”.
