حصيلة “الماكياج” لـ”وكالة تنفيذ المشاريع” الدار البيضاء-سطات: أرقام فلكية لتهريب العجز.. إقصاء ممنهج لإقليم الجديدة.. و”دكاكين انتخابية” برعاية مجلس الجهة!

719892964_1818034975984004_6113028171449130696_n

في الوقت الذي تحاول فيه الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع لجهة الدار البيضاء-سطات (AREP) التغني بحصيلة النصف الأول من سنة 2026، وتدبيج بلاغات “البروباغندا” المليئة بلغة الأرقام والنسب المئوية الرنانة، يصطدم المتتبع للشأن الجهوي بواقع ميداني مرير يفضح زيف هذه المنجزات الكرتونية. الاجتماع الأخير للجنة الإشراف والمراقبة المنعقد في دورته العادية لشهر يونيو 2026، برئاسة عبد اللطيف معزوز وحضور والي الجهة محمد مهيدية، تحول في عمقه إلى منصة لتسويق الوهم وذر الرماد في العيون، بينما الحقيقة تؤكد أن الوكالة باتت تعيش فصولها الأخيرة قبل الحل الحتمي، وسط اتهامات ثقيلة بتحويل أوراش التنمية إلى “دكاكين انتخابية” سابقة لأوانها تخدم أجندات كبار المنتخبين على حساب الأقاليم المغضوب عليها، وعلى رأسها إقليم الجديدة.

توزيع “الغنيمة” بـ 2,4 مليار درهم: إقليم الجديدة خارج خارطة “معزوز”!

بينما تباهى مدير الوكالة، مصطفى الغازي، بإطلاق برنامج جديد للطرق القروية بغلاف مالي يناهز مليار درهم لإنجاز ما يفوق 1130 كيلومتراً، وبحزمة مشاريع قيد التنفيذ تفوق قيمتها الإجمالية 2,4 مليار درهم، سقط القناع عن مبدأ “العدالة المجالية” الذي تتشدق به الجهة. الأرقام الرسمية تشير بوضوح إلى أن البرنامج الطرقي الجديد استهدف ستة أقاليم بالجهة فقط، مما يطرح السؤال الفاضح والمزلزل: أين نصيب إقليم الجديدة من هذه المليارات؟

إن إقصاء إقليم الجديدة – بعاصمته الحضرية وجماعته القروية الممتدة – من هذه الصفقات الضخمة ليس مجرد هفوة تدبيرية، بل هو إقصاء ممنهج ومكتمل الأركان. يعيش سكان دكالة تحت رحمة مسالك قروية وعرة، وعزلة خانقة، وعطش مستمر، في وقت تُوجه فيه الاعتمادات المالية والمشاريع صوب أقاليم معينة بناءً على “الولاءات السياسية” والهندسة الانتخابية لأعضاء مجلس الجهة. هذا التمييز المجالي الفج يحرم مئات الآلاف من المواطنين في الجديدة من أبسط حقوق العيش الكريم، ليظل الإقليم مجرد بقرة حلوب تساهم في الناتج الداخلي للجهة، وتُحرم من ثمار تنميتها.

تعثر المشاريع واستغلالها في “حملات انتخابية” سابقة لأوانها

خلف ستار نسبة الـ 93% من تقدم الأشغال التي تتبجح بها الوكالة، يختبئ واقع مرير من التعثر، والبطء، والمشاريع الميتة في مهدها. العديد من الجماعات القروية التي أُدرجت في برامج التزويد بالماء الصالح للشرب والإنارة العمومية ما زالت تنتظر خروج الوعود إلى أرض الواقع، بعد أن تحولت قنوات الماء والمسالك غير المصنفة إلى أطلال مهجورة بسبب ضعف تتبع الصفقات وغياب المراقبة الصارمة.

الأنكى من ذلك، هو الركوب السياسي الفاضح على هذه المشاريع المتعثرة. فقد تحول أفراد من أعضاء مجلس جهة الدار البيضاء-سطات إلى “أوصياء” على صفقات الوكالة، مستغلين نفوذهم لتوجيه المسالك الطرقية والربط الفردي بالماء نحو دوواير انتخابية بعينها تابعة لمريديهم، في حملة انتخابية مسعورة وسابقة لأوانها. لقد أصبحت أوراش الوكالة، التي تُمول من المال العام وجيوب دافعي الضرائب، أوراق ضغط سياسي تُمنح كـ “عطايا رئيس” و”هبات منتخبين” لاستمالة الأصوات، مما أفرغ العمل التنموي من نجاعته وحوله إلى ريع سياسي مقيت تحت أعين إدارة الوكالة المستسلمة.

رقمنة المكاتب لتهريب العجز.. والواقع الميداني يفضح الفشل

في محاولة مكشوفة لتغطية الفشل الميداني، ركز عرض مدير الوكالة على إبراز ما أسماه “جهود تحديث وتطوير أساليب التدبير” عبر رقمنة مكتب الضبط، وإحداث نظام المعلومات الجغرافية، والتدبير الإلكتروني للوثائق. إنه لعمق المفارقة الساخرة: ماذا تفيد الساكنة القروية المعزولة والمحرومة من قنوات الماء الصالح للشرب إذا كان مكتب ضبط الوكالة في الدار البيضاء “مرقمناً”؟ وماذا يفيد الفلاح الدكالي المقيم وسط الغبار والمسالك المحفرة أن تكون وثائق الوكالة مؤرشفة رقمياً؟

إن الهروب نحو الأمام بـ “البرستيج الرقمي” والمخططات الخرائطية لا يمكنه أن يغطي على النقص الحاد في الحصيلة الميدانية. فالواقع لا يُرتفع بركوب الأمواج الرقمية، بل بالنزول إلى الميدان وفك العزلة عن الجماعات المنسية التي لا تجد أثراً ملموساً لمليارات الاستثمار على مستوى عيشها اليومي.

قانون الشركات الجديد: لماذا يجب على وزارة الداخلية التعجيل بحل الوكالة؟

أمام هذا الانحراف التنموي، وتكريس الإقصاء، وتحويل المشاريع إلى غنائم سياسية، أصبحت أيام هذه الوكالة (AREP) معدودة بقوة القانون. فبعد صدور القانون الجديد في الجريدة الرسمية، والذي يقضي بتحويل هذه الوكالات الجهوية إلى “شركات مساهمة” خاضعة لقواعد القانون الخاص والمراقبة المالية الصارمة للدولة، بات من العبث استمرار الوضع الحالي.

إن وزارة الداخلية، بقيادة عبد الوافي لفتيت، مطالبة اليوم بالتعجيل بفتح تحقيق أسود في معايير توزيع المشاريع داخل جهة الدار البيضاء-سطات، والإسراع بحل هذه الوكالة بصيغتها الحالية. إن التحول إلى شركة مساهمة يفرض قطع دابر “التحكم الانتخابي” لكبار منتخبي مجلس الجهة في الصفقات العمومية، وضمان إخضاع مساطر تفويت المشاريع لدفاتر تحملات تجارية وتنموية شفافة وقابلة للمساءلة القضائية، بعيداً عن منطق “باك صاحبي” وتصفية الحسابات السياسية التي جعلت إقليم الجديدة يسقط من مفكرة “الوكالة الجهوية وتدبيرها الفاشل”.

 كفى استهتاراً بساكنة جهة الدار البيضاء-سطات!

إن تبريكات رئيس مجلس الجهة وثناؤه على وتيرة الإنجاز في ختام دورة يونيو 2026، لا تعدو أن تكون تبادلاً لشهادات الثناء المجاملة داخل مكاتب مغلقة ومكيفة. فالتقييم الحقيقي للمشاريع يمنحه المواطن في قاع دكالة وفي هوامش سطات وبرشيد وسيدي بنور، وليس لجان المراقبة الصورية. إن جهة الدار البيضاء-سطات لا يمكن أن تتقدم بسرعتين: مركز مالي يستأثر بالملايير، وأقاليم كإقليم الجديدة تُركت لمصيرها البيئي والاجتماعي الأسود. لقد حان وقت الحساب، وحل الوكالة بات مطلباً استعجالياً لوقف نزيف الريع واستعادة كرامة العدالة المجالية المهدورة!

About The Author