حصيلة حكومية في مواجهة التحديات: تواصل سياسي جديد وأوراش اجتماعية كبرى بعد مرحلة انتقالية مثقلة بالإرث

IMG-20260430-WA0138-750x430

في سياق سياسي واقتصادي يتسم بتقلبات دولية متسارعة وضغوط اجتماعية داخلية متزايدة، قدّم رئيس الحكومة عزيز أخنوش عرضاً مفصلاً حول الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، خلال لقاء تواصلي مع عدد من وسائل الإعلام الوطنية بمقر رئاسة الحكومة في الرباط، في خطوة تعكس توجهاً جديداً نحو تعزيز التواصل المباشر مع الرأي العام وتفسير الاختيارات العمومية بشكل أكثر انفتاحاً.

تواصل حكومي أكثر انفتاحاً وإعادة تشكيل الخطاب العمومي

تميز هذا اللقاء بترسيخ مقاربة جديدة في التواصل الحكومي، تقوم على تقديم المعطيات والأرقام بشكل مباشر، بدل الاكتفاء بالبلاغات التقليدية، وهو ما يعكس رغبة واضحة في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. هذا التحول في الخطاب السياسي يأتي في سياق مرحلة سابقة اتسمت بضعف التفاعل المؤسساتي مع الرأي العام، ما خلق فجوة في فهم السياسات العمومية وتقييم نتائجها.

الحكومة الحالية تسعى من خلال هذا النمط التواصلي إلى تقديم نفسها كفاعل قريب من النقاش العمومي، قادر على شرح اختياراته الاقتصادية والاجتماعية، ومواجهة الانتقادات بلغة الأرقام والمؤشرات بدل الشعارات العامة.

خيار التوازن بين الاستقرار المالي والدولة الاجتماعية

أكد رئيس الحكومة أن فلسفة التدبير التي اعتمدتها حكومته منذ بداية الولاية تقوم على معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى للدولة، وتسريع تنزيل مشروع الدولة الاجتماعية، باعتباره أحد أبرز الأوراش الاستراتيجية للمملكة.

هذا التوجه تُرجم في إطلاق وتوسيع برامج اجتماعية كبرى، من أبرزها تعميم الحماية الاجتماعية، وتوسيع التغطية الصحية الإجبارية، ودعم الفئات الهشة، في إطار تحول تدريجي نحو نموذج اجتماعي أكثر شمولاً، يهدف إلى تقليص الفوارق وتعزيز العدالة الاجتماعية.

الحوار الاجتماعي: دينامية جديدة بعد سنوات من الجمود

من أبرز محاور العرض الحكومي، ملف الحوار الاجتماعي الذي اعتبرته الحكومة ورشاً مركزياً أعاد الحيوية للعلاقة بين الدولة والشركاء الاجتماعيين. وقد شمل هذا الحوار زيادات في الأجور، وتحسين شروط العمل، وتسوية عدد من الملفات الفئوية، إضافة إلى فتح ملفات هيكلية ما تزال قيد النقاش.

هذا المسار، بحسب المعطيات المقدمة، ساهم في إعادة بناء جسور الثقة مع النقابات، بعد سنوات من التوتر والجمود، حيث تم تسجيل تقدم في معالجة عدد من الملفات، في حين لا تزال أخرى في طور التفاوض، بما يعكس طبيعة الإصلاح التدريجي الذي تتبناه الحكومة.

إصلاح أنظمة التقاعد: ورش استراتيجي تحت الضغط

في ما يتعلق بإصلاح أنظمة التقاعد، شدد رئيس الحكومة على أن هذا الملف يمثل أحد أبرز التحديات ذات الطابع الاستعجالي، في ظل ما تعرفه صناديق التقاعد من اختلالات بنيوية وضغوط مالية متزايدة.

وقد تم، وفق العرض الحكومي، إطلاق نقاش تقني مع مختلف الفاعلين، خاصة المركزيات النقابية، بهدف بلورة حلول توافقية تأخذ بعين الاعتبار التوازن بين استدامة الصناديق وضمان حقوق المنخرطين. وتؤكد الحكومة أن تأجيل هذا الإصلاح سيزيد من كلفته مستقبلاً، سواء على المستوى المالي أو الاجتماعي.

التشغيل: مؤشرات إيجابية وتحديات بنيوية مستمرة

في محور التشغيل، قدمت الحكومة أرقاماً تعتبرها مؤشراً على تحسن دينامية سوق الشغل، حيث تم إحداث حوالي 850 ألف منصب شغل خارج القطاع الفلاحي خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، استناداً إلى معطيات المندوبية السامية للتخطيط.

وتشير الحكومة إلى أن متوسط إحداث مناصب الشغل ارتفع مقارنة بالولايات الحكومية السابقة، غير أن التحدي لا يزال قائماً، خاصة في ما يتعلق بارتفاع معدل البطالة الذي يستقر في حدود 13 في المائة، إضافة إلى إشكالية التوازن بين العرض والطلب في سوق العمل، ونقص اليد العاملة المؤهلة في بعض القطاعات الحيوية مثل الصناعة والفلاحة.

قراءة في الحصيلة: بين إرث ثقيل ورهان الإصلاح

تعتمد الحكومة في تقديم حصيلتها على مقارنة ضمنية مع المرحلة السابقة التي قادها حزب العدالة والتنمية، والتي تعتبرها أطراً حكومية متتالية بأنها خلفت تراكمات على مستوى عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية، من بينها التشغيل والحوار الاجتماعي وتدبير بعض الإصلاحات الهيكلية.

وفي هذا السياق، تسعى الحكومة الحالية إلى تقديم نفسها كمرحلة “إعادة التوازن” و”تسريع الإصلاح”، من خلال اعتماد مقاربة تقوم على الفعالية في التنفيذ بدل الاكتفاء بتدبير الانتظار أو تأجيل الحسم في الملفات الكبرى.

التحدي الحقيقي: تحويل الأرقام إلى أثر اجتماعي ملموس

رغم أهمية المؤشرات المقدمة، يبقى التحدي الأساسي أمام الحكومة هو تحويل هذه الأرقام إلى أثر مباشر وملموس في حياة المواطنين، خاصة في ظل استمرار الضغط المرتبط بغلاء المعيشة، وتفاوت الفرص الاقتصادية، وتحديات العدالة الاجتماعية.

كما أن استدامة هذه الحصيلة ستظل مرتبطة بقدرة الحكومة على مواصلة الحوار مع الشركاء الاجتماعيين، وتسريع وتيرة الاستثمار، وتعزيز خلق فرص الشغل المستدام، بما يضمن تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

 مرحلة انتقالية نحو نموذج جديد للتدبير

يمكن اعتبار الحصيلة الحكومية الحالية جزءاً من مرحلة انتقالية تهدف إلى إعادة تشكيل أولويات السياسات العمومية، عبر الجمع بين الإصلاح الاجتماعي والتوازن المالي، وتطوير نموذج تواصلي أكثر انفتاحاً.

غير أن الحكم النهائي على هذه التجربة سيظل مرتبطاً بمدى قدرتها على تحقيق تحول نوعي في الواقع الاقتصادي والاجتماعي، بما يتجاوز منطق الأرقام والمؤشرات إلى إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، وهو الرهان الحقيقي الذي ستُقاس به هذه الولاية الحكومية في نهايتها.

About The Author