طرق العالم القروي تحت المجهر.. هل تنجح الداخلية في حماية مشاريع فك العزلة من الحسابات الانتخابية؟

1770750470

في توقيت يحمل الكثير من الدلالات، سارعت وزارة الداخلية إلى تحريك ملف مشاريع الطرق والمسالك القروية بعدد من جهات المملكة، من بينها جهة الدار البيضاء سطات، عبر دعوة الجماعات الترابية إلى المصادقة العاجلة على اتفاقيات شراكة مع المديريات الإقليمية للتجهيز والنقل قصد تسريع إنجاز مشاريع فك العزلة وتحسين البنيات التحتية بالعالم القروي.

القرار يأتي في مرحلة دقيقة تتسم بتزايد الانتظارات التنموية للساكنة القروية، وفي ظل تنامي المطالب بضرورة إخراج عدد من المشاريع المتعثرة إلى حيز التنفيذ، خاصة بالمناطق التي ما تزال تعاني من ضعف المسالك الطرقية وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية.

وفي جهة الدار البيضاء سطات، التي تُعد القلب الاقتصادي للمملكة، لا تزال مفارقة صارخة تفرض نفسها؛ فبينما تحتضن الجهة أكبر المشاريع الصناعية والاستثمارية بالمغرب، ما تزال بعض الجماعات القروية تعاني من هشاشة البنيات التحتية وخصاص واضح في الطرق والمسالك المؤدية إلى الدواوير والتجمعات السكنية.

الجديدة.. إقليم فلاحي وسياحي يحتاج إلى ثورة طرقية

يبرز إقليم الجديدة كواحد من الأقاليم التي تكتسي فيها مشاريع فك العزلة أهمية استثنائية، بالنظر إلى امتداده الجغرافي الواسع وطابعه الفلاحي والسياحي.

فالإقليم يضم عشرات الجماعات القروية التي تشكل رافعة أساسية للإنتاج الفلاحي الوطني، كما يحتضن مناطق سياحية معروفة وشريطاً ساحلياً مهماً، غير أن عدداً من الدواوير والمناطق القروية ما يزال يواجه تحديات مرتبطة بضعف البنية الطرقية أو تدهور المسالك القروية.

وتزداد هذه المعاناة خلال فصل الشتاء، حيث تتحول بعض الطرق إلى مسالك شبه معزولة، ما ينعكس على تنقل التلاميذ والمرضى والفلاحين ويؤثر بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

ولهذا فإن أي استثمار في الطرق القروية بإقليم الجديدة لا يمثل مجرد مشروع بنية تحتية، بل يشكل استثماراً مباشراً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين ظروف عيش الساكنة.

الداخلية تتحرك بعد سنوات من التساؤلات

المعطيات المتداولة تشير إلى أن وزارة الداخلية لا تسعى فقط إلى تسريع وتيرة الإنجاز، بل تعمل أيضاً على إعادة ضبط المساطر القانونية والتقنية المرتبطة بهذه المشاريع.

فالحديث عن تتبع دقيق للمشاريع وعن افتحاصات مرتقبة لبرامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية يعكس وجود إرادة لمراجعة حصيلة سنوات من الإنفاق العمومي الذي رُصدت له اعتمادات مالية ضخمة.

ورغم الأرقام الرسمية التي تتحدث عن آلاف الكيلومترات من الطرق والمسالك المنجزة عبر مختلف جهات المملكة، فإن تقارير ميدانية عديدة ظلت تثير تساؤلات حول جودة بعض الأشغال وحول مدى استفادة جميع المناطق من هذه المشاريع بشكل متوازن وعادل.

عندما تتحول التنمية إلى ورقة انتخابية

واحدة من أكبر الإشكالات التي تطرح نفسها بقوة في تدبير المشاريع المحلية تتعلق بشبهات توظيف بعض الأوراش التنموية في سياقات انتخابية.

ففي عدد من الجماعات القروية، يشتكي المواطنون من أن بعض المشاريع يتم تقديمها وكأنها هبات شخصية من منتخبين، في حين أنها ممولة من المال العام ومن ميزانيات الدولة والجماعات.

كما تثار أحياناً تساؤلات حول معايير اختيار بعض المشاريع وأسباب استفادة مناطق معينة بشكل متكرر، مقابل استمرار معاناة مناطق أخرى من العزلة والخصاص.

هذه الممارسات، إن وجدت، تضرب في العمق فلسفة التنمية الترابية القائمة على العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين مختلف المناطق.

فالمشاريع العمومية يجب أن تُنجز وفق معايير الحاجة والأولوية التنموية، لا وفق الحسابات السياسية أو الانتخابية.

لماذا يجب أن تتولى الشركات الجهوية تنفيذ المشاريع؟

التجارب التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن الشركات الجهوية للتنمية المحلية أصبحت تمتلك خبرة مهمة في تنزيل المشاريع الكبرى والمتوسطة وفق معايير تقنية واضحة.

ولهذا يطالب عدد من المتتبعين بضرورة منح هذه المؤسسات دوراً أكبر في تنفيذ مشاريع الطرق والمسالك القروية، باعتبارها آلية قادرة على ضمان النجاعة والسرعة والشفافية.

فالمنتخب يجب أن يحدد حاجيات الساكنة ويدافع عنها داخل المؤسسات المنتخبة، بينما ينبغي أن يُسند التنفيذ إلى أجهزة تقنية متخصصة تتوفر على الكفاءة والخبرة والموارد البشرية اللازمة.

هذا النموذج من شأنه أن يقلص هامش التدخلات السياسية في المشاريع التنموية، ويعزز الثقة في طرق تدبير المال العام.

الجديدة تنتظر تنمية متوازنة

رغم المؤهلات الاقتصادية الكبرى التي يتوفر عليها إقليم الجديدة، فإن جزءاً من العالم القروي ما يزال ينتظر استكمال عدد من الأوراش المرتبطة بفك العزلة وتحسين الربط الطرقي.

فالاستثمارات الكبرى التي تعرفها المنطقة تحتاج إلى مواكبة حقيقية داخل الجماعات القروية حتى تستفيد الساكنة المحلية من ثمار التنمية.

كما أن تحسين الطرق والمسالك سيساهم في دعم النشاط الفلاحي وتسهيل تسويق المنتوجات وتقوية الجاذبية السياحية للمناطق القروية والساحلية التابعة للإقليم.

المال العام يحتاج إلى رقابة صارمة

الحديث عن مليارات الدراهم التي رُصدت لبرامج تقليص الفوارق المجالية يجعل من الضروري تعزيز آليات المراقبة والافتحاص وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالمواطن لا يهمه حجم الاعتمادات المالية المعلنة بقدر ما يهمه أن يرى نتائجها على أرض الواقع.

ولهذا فإن تقييم المشاريع يجب أن يتم بناء على أثرها الحقيقي في حياة السكان، ومدى مساهمتها في تحسين الخدمات وتقليص العزلة وخلق فرص التنمية.

التنمية حق وليست امتيازاً

الرسالة الأساسية التي تخرج من التحرك الحالي لوزارة الداخلية هي أن مشاريع الطرق والمسالك القروية يجب أن تبقى مشاريع دولة في خدمة المواطنين، لا أدوات للمزايدات السياسية أو الحملات الانتخابية المبكرة.

وفي جهة الدار البيضاء سطات، وخاصة بإقليم الجديدة، تبقى الحاجة ملحة إلى تسريع الأوراش المبرمجة وضمان توزيعها بشكل عادل ومتوازن، مع إسناد تنفيذها إلى مؤسسات تقنية متخصصة قادرة على حماية المال العام وضمان جودة الإنجاز.

فالتنمية الحقيقية تبدأ من الطريق، والعدالة المجالية لا تتحقق بالشعارات، بل بوصول المشاريع إلى كل دوار وكل جماعة وكل مواطن، بعيداً عن الزبونية والمحسوبية والحسابات الانتخابية الضيقة.

About The Author