من آسفي إلى المشهد الوطني… بنكيران يهاجم وأخنوش يرسّخ واقعية التدبير والأحرار يعززون موقعهم بقيادة متجددة

BENKIRANE

أعاد عبد الإله ابن كيران إشعال الجدل السياسي من جديد، عبر خطاب هجومي ألقاه بمدينة آسفي، موجهاً انتقادات لاذعة إلى عزيز أخنوش، في محاولة واضحة لاستعادة موقعه في واجهة النقاش العمومي. غير أن هذه الخرجة، رغم حدتها، أعادت إلى الأذهان سؤال الحصيلة، وفتحت الباب أمام مقارنة حتمية بين من انتقد اليوم، ومن يتحمل مسؤولية تدبير عقد كامل من الزمن.

خطاب التصعيد… حين يغيب تقييم الذات
في كلمته، لم يتردد بنكيران في توجيه اتهامات ثقيلة، متحدثاً عن “شراء الديمقراطية” و”تضارب المصالح” و”التأثير في الإعلام والإدارة”، في خطاب يعكس منسوباً عالياً من التصعيد السياسي. لكن هذا الطرح بدا منقوصاً، لأنه لم يُرفق بأي تقييم نقدي لتجربة حكومية قادها حزبه لعشر سنوات، شهدت قرارات صعبة تركت آثاراً اجتماعية عميقة، من إصلاح التقاعد إلى رفع الدعم عن المحروقات.

هذا التناقض بين خطاب النقد وغياب المراجعة، يجعل الهجوم أقرب إلى محاولة للعودة إلى الواجهة، بدل تقديم بديل سياسي واضح المعالم.

أخنوش… من رجل أعمال إلى قائد مرحلة اقتصادية دقيقة
في الجهة المقابلة، يواصل عزيز أخنوش تدبير مرحلة معقدة، تتداخل فيها التحديات الاقتصادية والاجتماعية، مع رهانات الإصلاح العميق. فالرجل، القادم من عالم الأعمال، نجح في تحويل هذه الخلفية إلى رافعة عملية، عبر إطلاق أوراش استراتيجية كبرى، أبرزها تعميم الحماية الاجتماعية، ومواجهة إشكالية الماء، ودعم الاستثمار.

الانتقادات التي تستهدف “عقلية التاجر” تبدو، في هذا السياق، غير مواكبة لطبيعة المرحلة، التي تتطلب كفاءة في التدبير وواقعية في اتخاذ القرار، بعيداً عن الخطابات الشعبوية التي أثبتت محدوديتها.

الأحرار… حزب القوة التنظيمية وخيار التجديد
بعيداً عن الشخصنة، يبرز حزب التجمع الوطني للأحرار كأحد أهم الفاعلين السياسيين في المغرب اليوم، بعد أن نجح في إعادة بناء ذاته تنظيمياً، وتوسيع قاعدته الشعبية، معتمداً على القرب من المواطنين، والانخراط الميداني.

وقد تعزز هذا المسار بصعود قيادات شابة، في مقدمتها محمد شوكي، الذي يمثل نموذجاً لمرحلة جديدة داخل الحزب، تقوم على تجديد النخب، والقطع مع منطق التوريث السياسي، وإفساح المجال أمام كفاءات شابة قادرة على ضخ نفس جديد في العمل الحزبي.

هذا التحول لم يكن شكلياً، بل انعكس على أداء الحزب، الذي حافظ على موقعه كقوة أولى في المشهد السياسي، معززا حضوره في مختلف الجهات، ومؤكداً قدرته على التأقلم مع التحولات.

شعبية تُبنى بالفعل لا بالخطاب
يدرك بنكيران، رغم تصعيده، أن موازين القوى تغيرت بشكل واضح، وأن حزب التجمع الوطني للأحرار لم يعد مجرد فاعل عابر، بل قوة سياسية منظمة تستند إلى رؤية وبرامج. فالشعبية اليوم لم تعد تُقاس بحدة الخطاب أو قوة الشعارات، بل بمدى القدرة على الإنجاز، والاستجابة لتطلعات المواطنين.

وفي هذا السياق، يواصل الأحرار تعزيز حضورهم، مستفيدين من دينامية داخلية، ومن قيادة سياسية اختارت الرهان على الواقعية بدل الشعبوية.

بين منطق الأمس ورهانات الغد
إن خرجة آسفي كشفت عن مفارقة واضحة في المشهد السياسي: بين خطاب يستحضر الماضي دون أن يراجعه، وممارسة تحاول، رغم الإكراهات، بناء توازنات جديدة للمستقبل.

فبينما يواصل عبد الإله ابن كيران اعتماد أسلوب الهجوم والتصعيد، يمضي عزيز أخنوش في تنزيل أوراش إصلاحية، مدعوماً بحزب اختار التجديد، وقيادات شابة مثل محمد شوكي تعكس تحولات عميقة داخل البنية الحزبية.

وفي النهاية، يبقى الفيصل في السياسة ليس من يرفع الصوت أكثر، بل من يملك القدرة على تحقيق النتائج… وهو اختبار لا تحسمه المنصات، بل تحسمه ثقة المواطنين.

About The Author