وزارة الداخلية تضع العدالة المجالية في صدارة الأولويات.. استثمارات ضخمة لتقليص الفوارق وبناء تنمية أكثر إنصافاً بين الجهات

598535131_1183202660610542_5458102364314063179_n

في ظل التحديات المرتبطة بالتفاوتات التنموية بين مختلف مناطق المملكة، جددت وزارة الداخلية التأكيد على أن تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية لم يعد مجرد هدف ظرفي أو برنامج قطاعي محدود، بل تحول إلى ورش استراتيجي يندرج ضمن الرؤية الوطنية الرامية إلى تحقيق تنمية متوازنة تشمل جميع المجالات الترابية، وتضمن استفادة مختلف المواطنين من ثمار التنمية، بغض النظر عن موقعهم الجغرافي.

ويأتي هذا التوجه في سياق الدينامية التي تعرفها المملكة على مستوى تنزيل الجهوية المتقدمة وتفعيل مضامين النموذج التنموي الجديد، الذي جعل من العدالة الترابية أحد المداخل الأساسية لبناء مغرب أكثر توازناً وتماسكاً.

لفتيت: التنمية لا تكتمل دون إنصاف مجالي

في معرض جوابه عن تساؤلات برلمانية حول التفاوتات المجالية داخل الجهات، أكد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أن الدولة تواصل العمل على معالجة الاختلالات التنموية التي ما تزال قائمة بين عدد من المناطق، من خلال برامج ومخططات تستهدف بالدرجة الأولى المجالات التي تعاني من الخصاص في البنيات التحتية والخدمات الأساسية.

وأوضح أن هذه الجهود تعتمد على التنسيق بين مختلف المتدخلين، من قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية ومجالس منتخبة، بهدف توحيد الرؤى وتوجيه الاستثمارات نحو المشاريع ذات الأولوية، بما يحقق أثراً مباشراً على حياة المواطنين ويحسن ظروف عيشهم.

التعاقد الترابي.. رهان الدولة لتوجيه التنمية

ومن بين الآليات التي تراهن عليها الدولة لتقليص الفوارق، يبرز التعاقد الترابي باعتباره أداة جديدة لتنسيق الجهود بين الدولة والجهات، وتمكين الجماعات الترابية من المساهمة بشكل أكبر في تحديد الأولويات التنموية داخل مجالاتها.

وتسعى هذه المقاربة إلى تجاوز التدخلات التقليدية المتفرقة، عبر اعتماد برامج مندمجة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية لكل جهة وإقليم وجماعة، وتستجيب للحاجيات الفعلية للسكان، خاصة في المناطق التي ظلت لعقود تعاني من ضعف التجهيزات أو محدودية الاستثمارات.

ويرى متابعون أن هذا التوجه يعكس رغبة الدولة في الانتقال من منطق التدبير المركزي إلى مقاربة أكثر قرباً من الواقع المحلي، تتيح للجهات لعب أدوار أكبر في صياغة وتنفيذ المشاريع التنموية.

100 مليار درهم لبرامج التنمية الجهوية

وتكشف المعطيات الرسمية أن برامج التنمية الجهوية للفترة الممتدة بين 2022 و2027 رصد لها غلاف مالي يناهز 100 مليار درهم، سيتم توجيهه إلى مشاريع متنوعة تشمل البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وتكتسي هذه البرامج أهمية خاصة بالنظر إلى دورها في تقوية جاذبية الجهات وتحفيز الاستثمار وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، فضلاً عن مساهمتها في خلق فرص الشغل وتقوية الاقتصاد المحلي.

كما تهدف هذه المشاريع إلى تعزيز التكامل بين المجالين الحضري والقروي، وتقليص الفوارق داخل الجهة الواحدة، بما ينسجم مع فلسفة التنمية المندمجة التي تتبناها المملكة.

جيل جديد من البرامج بكلفة 210 مليارات درهم

وفي خطوة تعكس حجم الرهان الذي تضعه الدولة على ملف العدالة المجالية، تم الإعلان عن إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بكلفة إجمالية تقدر بحوالي 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.

وتعتمد هذه البرامج على تشخيص دقيق لمستويات الخصاص والهشاشة داخل مختلف المجالات الترابية، مع توجيه الاستثمارات نحو المناطق التي تحتاج إلى تدخلات أكثر إلحاحاً في مجالات الطرق والماء والتعليم والصحة والبنيات الأساسية.

ويرتقب أن تشكل هذه البرامج أحد أكبر الأوراش التنموية خلال السنوات المقبلة، بالنظر إلى حجم الاعتمادات المالية المرصودة لها واتساع نطاق تدخلها.

إصلاح آليات التنفيذ وتعزيز الحكامة

وفي إطار البحث عن مزيد من النجاعة، تعتزم الدولة اعتماد آليات جديدة لتدبير المشاريع التنموية على المستوى الجهوي، من خلال إحداث شركات مساهمة جهوية تتولى مواكبة تنفيذ البرامج والمشاريع الكبرى.

ويهدف هذا التوجه إلى تسريع وتيرة الإنجاز، وتحسين تدبير الموارد، وتعزيز الشفافية والحكامة، فضلاً عن ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في مختلف مراحل تنزيل المشاريع.

ويعتبر خبراء التنمية الترابية أن نجاح أي برنامج تنموي لا يرتبط فقط بحجم التمويلات المرصودة، بل أيضاً بقدرة المؤسسات المشرفة على التنفيذ على احترام الآجال وتحقيق النتائج المنتظرة على أرض الواقع.

العالم القروي.. المستفيد الأكبر من الاستثمارات

وتحتل المناطق القروية والجبلية موقعاً مركزياً ضمن هذه الاستراتيجية الوطنية، بالنظر إلى ما تعانيه بعض هذه المجالات من خصاص تاريخي في التجهيزات والخدمات الأساسية.

وفي هذا الإطار، واصلت الدولة تنزيل برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية بالعالم القروي، الذي خصصت له اعتمادات مالية مهمة بلغت نحو 50 مليار درهم.

وقد مكنت هذه الاستثمارات من إنجاز عدد كبير من المشاريع المرتبطة بفك العزلة عن الدواوير وتحسين الولوج إلى الماء الصالح للشرب وتطوير البنيات التعليمية والصحية وتوسيع شبكات الكهرباء.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن قطاع الطرق والمسالك القروية استحوذ على الحصة الأكبر من التمويلات، بالنظر إلى دوره الحيوي في ربط المناطق النائية بباقي المراكز الحضرية وتحفيز النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

نحو تقييم الأثر بدل الاكتفاء بالأرقام

ورغم أهمية الأرقام المعلنة وحجم الاستثمارات المرصودة، فإن التحدي الحقيقي يبقى مرتبطاً بمدى انعكاس هذه البرامج على الواقع المعيشي للمواطنين.

فالمؤشرات المالية وحدها لا تكفي للحكم على نجاح السياسات العمومية، ما لم تترجم إلى تحسين ملموس في الخدمات الأساسية وتوفير فرص الشغل والرفع من جودة الحياة داخل مختلف المجالات الترابية.

لذلك، تتجه الدولة نحو تعزيز آليات التتبع والتقييم، من خلال اعتماد مؤشرات دقيقة لقياس أثر المشاريع على السكان وعلى مستوى التنمية داخل الجهات.

رهان الدولة على مغرب متوازن

تكشف التوجهات الجديدة لوزارة الداخلية أن المملكة تراهن على جعل العدالة المجالية أحد أعمدة المرحلة المقبلة، عبر إعادة توجيه الاستثمارات العمومية نحو المناطق التي تحتاج إلى مواكبة أكبر، والعمل على تقليص الفجوات التنموية بين مختلف الجهات.

وبين البرامج الجهوية الكبرى، ومشاريع العالم القروي، وآليات الحكامة الجديدة، يبدو أن الدولة تسعى إلى بناء نموذج تنموي أكثر توازناً، يجعل من الإنصاف الترابي قاعدة أساسية للتنمية، ويمنح مختلف مناطق المملكة فرصاً متكافئة للاستفادة من الدينامية الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب.

ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الأرقام والاستراتيجيات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في القرية والمدينة، من خلال خدمات أفضل وبنيات أكثر جودة وفرص تنموية تضمن مستقبلاً أكثر توازناً لجميع المغاربة.

About The Author