الحي البرتغالي بالجديدة… معلمة تاريخية تستغيث وانتظار لتدخل حاسم من عمالة الإقليم
يعيش الحي البرتغالي، المعروف تاريخياً بـ“الملاح”، بمدينة الجديدة، وضعية مقلقة على مستويات متعددة، في ظل تدهور عدد من بناياته ومرافقه الأساسية، وتفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لساكنته. هذا الفضاء المصنف ضمن التراث الإنساني العالمي من طرف اليونسكو، والذي يُعد أحد أبرز المعالم التاريخية بالمغرب، بات اليوم في حاجة ماسة إلى تدخل شامل يعيد له الاعتبار ويصون ذاكرته العمرانية والثقافية.
بنايات متآكلة ومرافق في وضع هش
الزائر للحي يلاحظ بوضوح آثار الإهمال التي طالت عدداً من الدور والممرات والساحات والأبراج، إضافة إلى أعطاب تطال شبكات الماء والكهرباء والتطهير، وطرقات وأزقة تحتاج إلى إعادة تأهيل جذرية. كما أن بعض المنازل أصبحت آيلة للسقوط، في ظل معاناة عدد من الأسر ذات الدخل المحدود من صعوبة تحمل تكاليف الترميم، خاصة عندما يتعلق الأمر ببنايات ذات طابع تاريخي تخضع لضوابط عمرانية دقيقة.
وتفاقمت الظاهرة مع وجود قطع أرضية فارغة تحولت إلى نقط سوداء لتجميع النفايات، ومنازل مهجورة صارت مأوى للمتشردين، ما يسيء لصورة الحي ويؤثر سلباً على جاذبيته السياحية.
مرافق ثقافية وسياحية خارج الخدمة
الحي البرتغالي ليس مجرد تجمع سكني، بل فضاء ثقافي وروحي وسياحي بامتياز. غير أن عدداً من مرافقه لا يؤدي اليوم أدواره المفترضة. فالمسقاة البرتغالية تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة وتحسين شروط الاستقبال والإنارة والمرافق الصحية. كما أن قاعتي العرض الثقافي، قاعة عبدالكبير الخطيبي وقاعة الشعيبية طلال، في حاجة إلى تجهيزات حديثة لإعادة بعث الدينامية الفنية التي عُرف بها الحي.
ويطرح أيضاً ملف تهيئة الفضاء السابق للسجن المدني المعروف بـ“حبس الصوار”، والسجن البرتغالي القديم الذي سمي خلال فترة الحماية الفرنسية بـ“سجن بلحمدونية”، لتحويلهما إلى فضاءات ثقافية تعرف بتاريخ الحي وتحتضن أنشطة فنية وسينمائية، خاصة وأن أزقته شكلت فضاءً لتصوير أعمال دولية.
فضاءات تحتاج إلى إعادة تنظيم
من بين النقاط التي تستدعي تدخلاً عاجلاً، إعادة تنظيم محيط الميناء القديم “المريسة” وتهيئة فضاءاته، وإزالة المعيقات التي تحجب جماليته، إلى جانب العناية بالحاجز البحري “المون” لما له من رمزية تاريخية ووجدانية لدى ساكنة المدينة.
كما أن الساحة الواقعة بين المسجد وكنيسة الصعود، والتي تمثل رمزاً للتعايش والتسامح الديني، تحولت في فترات عديدة إلى موقف عشوائي للسيارات، في مشهد يتنافى مع قيمة المكان التاريخية والسياحية. ويضاف إلى ذلك إشكال استغلال بعض الفضاءات بطرق عشوائية، كبيع السمك في مدخل “المون”، وما يخلفه ذلك من نفايات وروائح تسيء للزوار والسياح.
تنمية اقتصادية واجتماعية مؤجلة
إن إنقاذ الحي البرتغالي لا يمكن أن يتم عبر حلول ترقيعية تقتصر على إصلاح الواجهات أو الأسوار، بل يتطلب رؤية مندمجة تشمل الجوانب العمرانية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فدعم الساكنة لترميم منازلها، ومواكبة الشباب في خلق مشاريع مدرة للدخل تحترم الطابع التاريخي للمكان، وإعطاء الأولوية لأبناء الحي في فرص الشغل داخل المرافق السياحية المرتقبة، كلها إجراءات كفيلة بإعادة الروح لهذا الفضاء العريق.
كما يظل تعزيز الحضور الأمني، خاصة خلال الفترات الليلية، ضرورة لضمان سلامة الزوار والساكنة، وتمكين الحي من استعادة مكانته كوجهة سياحية آمنة وجذابة.
عمالة إقليم الجديدة… مفتاح تحريك ملف طال انتظاره
أمام تعثر عدد من المبادرات السابقة، تتجه الأنظار اليوم إلى عمالة إقليم الجديدة، باعتبارها الجهة القادرة على تنسيق تدخل مختلف القطاعات والمؤسسات المعنية، وتفعيل اتفاقيات الشراكة المرتبطة برد الاعتبار لهذا المعلم التاريخي.
ويرى متتبعون أن العامل، سيدي صالح داحا، يملك من الصلاحيات والإمكانيات ما يؤهله لنفض الغبار عن ملف عمر طويلاً دون تغيير ملموس، عبر إطلاق مقاربة تشاركية حقيقية، تقوم على دراسات دقيقة، وبرمجة زمنية واضحة، وتمويل موجه يراعي خصوصية الحي ومكانته الدولية.
فالحي البرتغالي ليس مجرد موروث معماري، بل هو جزء من هوية الجديدة وذاكرتها الجماعية. وإن إعادة الاعتبار له ليست ترفاً عمرانياً، بل استحقاق تاريخي وتنموي، ينتظر قراراً حاسماً يعيد لهذا الفضاء إشعاعه، ويمنح ساكنته أملاً جديداً في مستقبل يليق بماضيه العريق.
