الجديدة: إلى متى هذا العبث بتراثنا المعماري؟

Capture d’écran 2026-03-03 113055

كان التجول في شوارع الجديدة يشبه رحلة عبر الزمن. كل واجهة تحكي قصة، كل باب مقوس مزين بمسامير مشغولة يهمس بذاكرة المدينة، وكل زقاق يخبئ بيتًا بأناقة بسيطة وأصيلة… واليوم، كل هذا يتداعى حجرًا بعد حجر تحت ضربات حداثة بلا عقل أو خطة.

إن ترميم وتأهيل المواقع التاريخية يجب أن يكون أولوية لأي مدينة تحترم هويتها. لكن في الجديدة، الواقع صار مريرًا ومهينًا: العمارة التي تشكل روح المدينة تُهدم بلا رحمة، أو تُشوّه، أو تُترك تتعرض لعوامل الزمن بلا حماية. لم يعد هذا إهمالًا، بل عناد وتواطؤ واضح ضد تاريخ المدينة.

أمثلة على العبث المتعمد

حديقة عبد الكريم الخطابي ومواسير الرخام فيها، سلالم فندق مرحبا الشهيرة، كابينات الشاطئ، فندق بوليو… كل هذه رموز ماضٍ راقٍ تعرضت لتسيير حضري بلا رؤية أو احترام للتراث. كل هدم هو تمزيق للذاكرة الجماعية.

تحت شعار “التحديث”، يتم هدم بنايات تاريخية لتحل محلها عمارات بلا روح، ضخمة، شخصية، وأحيانًا سخيفة. طابع الجديدة الفريد يذوب لصالح معماريات معيارية يمكن أن تنتمي لأي مدينة بلا هوية. المدينة صارت تحت رحمة سادة الخرسانة، الذين يقدرون المتر المربع أكثر من التاريخ والذاكرة.

التشويه يطال كل زاوية

الأزقة القديمة، التي كانت متناسقة وجميلة، باتت مشوهة بمبانٍ غريبة. البيوت التقليدية ذات المداخل المقوسة والفناءات المضيئة تُستبدل بأبراج رأسية بلا روح. التراث العريق يُضحى به على مذبح الربح السريع.

الأمر الأكثر إثارة للصدمة هو التساهل الفاضح في منح رخص الهدم. رياض ومنازل تاريخية تُمحى دون أي دراسة جادة لقيمتها التراثية. في أماكن أخرى، مثل مراكش، كل نخلة تُحمى بعناية. في الجديدة، يُقتلع تاريخ بأكمله بلا أدنى اهتمام.

المسؤولية على من؟

ما يثير الغضب هو جهل أو تجاهل المسؤولين المحليين لأهمية التراث الرمزية والعاطفية للساكنة. العمارة ليست مجرد ديكور، إنها ذاكرة وهوية وانتقال. بتدميرها، يتصرف المسؤولون كأطفال يحطمون قلاعًا رملية، غير مدركين ما يمحونه من تاريخ وجغرافية حضارية.

التنمية ليست ذريعة لتدمير التاريخ

ليس هناك رفض للتطور أو الحداثة، فالمدينة يجب أن تتطور وتستجيب لاحتياجات سكانها. لكن التطوير لا يمكن أن يكون على حساب الجذور. يجب أن يدمج المشروع الجديد ما هو موجود، ويعزز التراث بدلاً من القضاء عليه.

الجديدة لم تكن مجرد منتجع ساحلي، بل مدينة ذات تراث معماري فريد، صُنع عبر قرون من التاريخ. إذا استمر العبث، ما تبقى اليوم لن يكون سوى ذكرى تُروى بحزن وحنين.

دعوة عاجلة للتحرك

لقد أصبح الوقت لوقف هذه المذبحة الصامتة. التراث لا يخص المستثمرين أو الولاة الانتخابيين، بل يخص السكان وذاكرتهم والأجيال القادمة. على السلطات المحلية، وعلى رأسها عمالة إقليم الجديدة، التدخل فورًا: فتح تحقيق مع الشركات المنفذة، الكشف عن دفتر التحملات، وتحديد المسؤوليات.

إلى متى سيستمر هذا العبث؟ إلى متى سيبقى تراث المدينة رهينة الجهل والإهمال والربح السريع؟ الجديدة تستحق أكثر من هذا الإهمال المهين.

About The Author