هل فشلت أسواق القرب بمدينة الجديدة؟ صراع بين المشاريع والتنظيم العشوائي

Capture d’écran 2026-03-07 122352

في ظل الجهود المدنية التي تبذلها فيدرالية جمعيات الأحياء السكنية بالجديدة لتحديث ملفها الترافعي والدفاع عن مصالح الساكنة، برزت قضية أسواق القرب كأحد أبرز الملفات التي تكشف إخفاقات واضحة في إدارة المشاريع التجارية بالمدينة. هذه الأسواق التي كان من المفترض أن توفر خدمات أساسية لأحياء حديثة تضم عشرات الآلاف من السكان، تتحول اليوم إلى بؤر للفوضى والعشوائية، بعد سنوات من المحاولات غير المكتملة لإرساء تنظيم مستدام.

جولات استطلاعية وواقع مرير

خلال الأسبوعين الماضيين، قامت لجان الفيدرالية بمجموعة من الجولات الميدانية للاطلاع على حالة الأسواق، بالتزامن مع تقرير للقناة الثانية حول أسواق القرب. النتائج أظهرت فجوات كبيرة بين التوقعات والمردود الفعلي للمشاريع، خاصة في أحياء مثل المطار، النجد، السلام، امتدادات السعادة وحي البستان، حيث لم يتم إنجاز أي سوق يوازي حجم السكان ويضمن تدفقاً منظماً للبضائع.

هذا النقص الكبير أدى إلى سيطرة ما يُعرف بـ”تجار الهواء الطلق” على الشوارع والأزقة، مع ما يترتب عن ذلك من فوضى، ضوضاء، وانعكاسات بيئية سلبية. وهي ظاهرة تعكس قصور التخطيط العمراني منذ التمدد العمراني للمدينة، حيث غاب بناء المرافق الأساسية مثل الأسواق والمرافق الثقافية والرياضية والتعليمية والصحية، مما ترك المجال للفوضى والعشوائية.

تجربة سوقي السلام والسعادة: بين التحدي والفشل

في محاولة لمواجهة هذا النقص، أطلق عامل الإقليم السابق، السيد محمد الكروج، في 2020 مشروع إنشاء سوقين للقرب بحي السلام وحي السعادة ضمن إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. الهدف كان تحرير الملك العمومي واحتواء تجار الخضر والفواكه والأسماك الذين يبيعون في الشارع، وتأمين بيئة صحية ومنظمة للتجارة.

لكن الواقع أثبت أن المشروعين واجها معوقات جسيمة. بعض الأطراف المستفيدة سابقاً من التجارة العشوائية، وفق ما تؤكده مصادر الفيدرالية، عملت على إفشال هذه المبادرة، عبر خلق منافسة غير منظمة، واستغلال الثغرات القانونية والتواطؤ الجزئي لبعض الجهات، مما أدى إلى عودة الفوضى واحتلال العربات لمساحات الأسواق الرسمية.

حتى الجمعيات التي أُنشئت لإدارة السوقين لم تنجح في فرض النظام، حيث واجهت مقاومة من المستفيدين الذين رفضوا الجمعيات الفوقية المفروضة عليهم، ما أدى إلى تفسخها وترك الأسواق في حالة شبه مهجورة، مع مشاكل تتعلق بالماء والكهرباء والصيانة، وظهور نفايات وأضرار صحية وبيئية.

تدخل عامل الإقليم الحالي: محاولة لتصحيح المسار

مع تولي السيد محمد العطفاوي مهام عامل الإقليم، تم الشروع في حملات لإعادة تنظيم العربات وإدخال بعض التجار إلى المحلات الفارغة بعد صيانتها، إلا أن النتائج ظلت جزئية ولم تستطع وقف الانزلاق التدريجي نحو الفوضى.

توصيات الفيدرالية: خطوات عاجلة لإنقاذ الأسواق

في ضوء هذه الوضعية، دعت فيدرالية جمعيات الأحياء السكنية إلى سلسلة من التدابير العاجلة:

  1. فتح تحقيق شامل لمحاسبة كل من ساهم في إفشال السوقين، وإعادة الوضعية إلى مسارها الطبيعي.

  2. مراجعة لائحة المستفيدين من المحلات وربطها بالكفاءة المهنية والالتزام بالقوانين.

  3. إعادة توزيع المحلات وفق دفتر تحملات صارم، مع فرض مساهمة شهرية محددة كما هو معمول به في أسواق قرب ناجحة بالمغرب.

  4. تنظيم عربات بيع الخضر والفواكه العشوائية ومنحها رخصاً محددة مع نقاط تواجد واضحة لا تتجاوز 500 متر من الأسواق الرسمية.

  5. تنظيف السوقين فوراً، وضمان تزويدهما بالماء والكهرباء في انتظار إيجاد هيكلة دائمة.

  6. عدم التدخل في تعيين ممثلي التجار لضمان إدارة شفافة ومستقلة للأسواق.

تجربة أسواق القرب بالجديدة تعكس صراعاً مستمراً بين المشاريع الرسمية والتنظيم العشوائي، وهو صراع يبرز أهمية التخطيط العمراني الجاد والرقابة المستمرة، وضمان مشاركة فعالة لجميع الأطراف من مجتمع مدني ومسؤولين ومهنيين.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الفيدرالية إلى التوعية والتحسيس، تبقى المسؤولية الكبرى على عاتق عامل الإقليم و السلطات المحلية لضمان أن تتحول هذه الأسواق إلى نموذج ناجح يواكب حجم المدينة واحتياجات ساكنتها، بدلاً من أن تصبح رمزاً للفشل والعشوائية.

About The Author