وادي أم الربيع يستعيد جريانه إلى مصبه بالأطلسي… وأزمور تنتظر حلاً جذرياً لتفاقم مشكلة الرمال
يعيش وادي أم الربيع، ثاني أطول نهر في المغرب بطول يقارب 555 كيلومتراً، منذ أسابيع حالة من الانتعاش المائي بعد التساقطات المطرية والثلجية التي عرفتها مرتفعات جبال الأطلس المتوسط بإقليم خنيفرة، حيث يستعيد مجراه الطبيعي وينبعث من جديد بقوة في مختلف نقاطه حتى مصبه في المحيط الأطلسي عند مدينة أزمور بإقليم الجديدة.
ويعد هذا النهر واحداً من أهم الموارد المائية بالمملكة لما يضطلع به من أدوار حيوية في تأمين مياه الشرب، والسقي الفلاحي، وإنتاج الطاقة الكهرومائية، إضافة إلى كونه شريان حياة يربط عدة مناطق حضرية وريفية في وسط البلاد.
المصب يعاود الحياة… مؤقتاً
بفضل التساقطات الأخيرة وهيجان البحر، تم فتح مصب وادي أم الربيع بشكل طبيعي بعد أن ظل لسنوات يعاني من انغلاق متكرر بسبب تراكم الرمال على طول المصب الشاطئي، وهو واقع يتكرر بشكل دوري نتيجة دينامية التيارات البحرية وندرة الأمطار لفترات طويلة. هذا الفتح أعاد ظاهرتي الجزر والمد في مجرى النهر قرب الشاطئ، ما شكل مشهداً طبيعياً عاد إليه نهر الحياة.
غير أن هذا الفتح يبقى هشاً، فإنه سرعان ما عاد الحديث يدور عن احتمال عودة تراكم الرمال وإغلاق المصب من جديد، وهو ما يثير تخوفات لدى فعاليات محلية ومرتفقين، خصوصاً أن تأثير هذا الإغلاق لا يطال فقط البيئة، بل يمتد ليؤثر على الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية لساكنة أزمور والمناطق المجاورة.
تكرار الأزمة ومعاناة المتساكنين
لقد ظل مصب وادي أم الربيع عبر سنوات موضوع قلق بيئي وتنموي، إذ أدى تراكم الرمال وانسداد مخرج النهر إلى مشاكل بيئية تشمل اضطرابات في نظام التيارات والشواطئ، إضافة إلى تأثير ذلك على صحة المواطن وسلامة البيئة البحرية. واستمرت مطالب محلية منذ سنوات لتسريع إنجاز مشاريع مدمجة لمعالجة إشكال المصب بمساهمة الفاعلين العموميين والقطاع الخاص.
وكانت لجنة برلمانية قد أعدت تقريراً يدعو إلى التحرك العاجل لمعالجة الاختلالات في مصب أم الربيع، وذلك عبر إعداد خطة شاملة تشمل وزارة التجهيز والماء، والمجالس المنتخبة، والوكالات المائية، فضلاً عن شركاء اقتصاديين مثل المكتب الشريف للفوسفاط، من أجل استقرار بيئة المصب وضمان تدفق المياه دون انحباس.
ولم تغِب عن الذاكرة المحلية المبادرات المطالبة بإنشاء محطة لمعالجة المياه العادمة لمدينة أزمور والمناطق المجاورة، في إطار برنامج وطني للتطهير، والتي كان مرتقَباً أن تُساهم في تقليل ملوثات تُصبّ مباشرة في مياه النهر قبل وصولها للمصب، ما سيخفف من الإجهاد البيئي على النظام البيئي والأنشطة البحرية والفلاحية.
اعتبارات بيئية وتنموية
من منظور البيئة والتنمية، فإن استمرار تفاقم مشكلة انسداد المصب ينعكس سلباً على:
-
النظام البيئي البحري والفلاحي قرب مصب أزمور، حيث تؤثر الرواسب والرمال المتراكمة على التنوع الحيوي وسير التيارات.
-
الأنشطة الاقتصادية مثل الصيد التقليدي والسياحة البيئية التي ترتبط بالشريط الساحلي.
-
جودة المياه وصحة المتساكنين الذين يعتمدون على موارد النهر في عدة استعمالات.
بالإضافة إلى ذلك، يشكل وادي أم الربيع مجرى حيوياً لعدد من السدود التي تنظم تدفق المياه وتدعم الأمن المائي في عدة مناطق، ما يجعل استقرار مساره عبر مصبه ذا أهمية استراتيجية على مستوى الأمن المائي الوطني.
آمال وشروط الحل الجذري
تظل الساكنة في أزمور والمنطقة مُعلقة على تدخل دائم وفعّال من وزارة التجهيز والماء والسلطات المحلية، لإيجاد حل جذري ومستدام لمعالجة مصب وادي أم الربيع، وذلك عبر:
-
أشغال تفتيت وتثبيت الرمال بشكل هندسي مستدام لضمان بقاء مخرج النهر مفتوحاً.
-
تعزيز منظومة معالجة المياه العادمة قبل أن تصل إلى المصب لتقليل التلوث البيئي.
-
إعداد مخطط تكاملي بين مختلف القطاعات الوزارية والجهات المعنية لضمان استدامة الحلول.
ويرى خبراء ومدافعون بيئيون أن معالجة هذا الإشكال لا يمكن أن تقتصر على حلول مؤقتة بفتح المصب بعد كل تساقط مطري، بل تتطلب خطة هندسية وبيئية واقتصادية شاملة تضمن توازن المصب بين جريان المياه والبحر، وتفادي تراكم الرمال بشكل يعيد نفس الأزمة كل موسم.
في انتظار قرار مستدام
يبقى أمل سكان أزمور وحوض وادي أم الربيع معقوداً على أن يتجاوز التدخل الحكومي الحلول المؤقتة، نحو استراتيجية ثابتة ومتناسقة تعيد استقرار النظام البيئي للمصب، وتضمن استمرار حركة المياه بين النهر والبحر دون انحباس أو تراكم يسبب أزمات متكررة.
وإذا ما تم تحقيق ذلك، فإن ذلك لن يعود بالفائدة على البيئة فقط، بل سيعزز أيضاً قدرة المنطقة على جذب الاستثمار والسياحة، ويحمي مواردها الطبيعية، ويمنح ساكنتها نوعاً من الاستقرار التنموي الذي باتت تنتظره منذ سنوات طويلة.
