قصر الجرف البرتغالي بالجديدة… بيروقراطية ثقيلة تُغرق الإرث في الانتظار
جديدتي 2 ماي 2026
في مدينة الجديدة، يواصل واحد من أهم المعالم التاريخية بالمغرب، وهو الصهريج البرتغالي داخل المدينة البرتغالية بالجديدة، الغرق في دوامة التأجيلات الإدارية، بعدما ظل مغلقاً لأكثر من خمس سنوات دون تدخل فعلي يعيد له الاعتبار أو يوقف نزيف التدهور الذي يهدده.
ورغم مرور كل هذه السنوات، لم يأتِ جديد يُذكر سوى الإعلان عن لجنة استشارية جديدة، في حلقة إضافية من مسار إداري طويل ومعقد، يُنظر إليه من طرف متابعين على أنه أحد أسباب استمرار الوضع دون حلول عملية على الأرض، في وقت يتسارع فيه تدهور هذا المعلم التاريخي بشكل مقلق.
لجان كثيرة… وواقع لا يتحرك
على المستوى الرسمي، تبدو الصورة مثالية: مقاربة تشاركية، تنسيق بين المتدخلين، اجتماعات تقنية، وخطاب متكرر حول أهمية حماية التراث. لكن على أرض الواقع، لا شيء تغيّر فعلياً.
الصهريج، الذي يعد من أبرز الشواهد المعمارية التاريخية في المغرب، يعاني اليوم من تسربات مائية، وتشققات في بنيته، وتدهور مستمر بفعل الإهمال، في ظل غياب تدخلات استعجالية توقف هذا النزيف.
المفارقة أن كل هذا يحدث في وقت يفترض فيه أن يكون هذا الموقع ضمن أولويات الحماية والترميم، نظراً لقيمته التاريخية والرمزية، لكنه ظل أسير التأجيلات والملفات الإدارية التي لا تنتهي.
أسئلة معلقة منذ سنوات
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا تم الانتظار كل هذا الوقت قبل التحرك؟ وكيف يمكن تفسير أن معلمة تاريخية بهذا الحجم تُترك في حالة توقف طويلة دون تدخل ناجع؟
الأمر لا يتعلق فقط بتأخر تقني، بل بمنظومة تدبير كاملة تثير علامات استفهام حول سرعة التفاعل مع التحذيرات، وقدرة المؤسسات على تحويل التقارير إلى قرارات ميدانية.
واللافت أن هذه التحذيرات ليست جديدة، إذ سبق أن نبه الراحل ميشيل أمانكال قبل أكثر من عقدين إلى خطورة الوضع، لكن صوته، مثل أصوات أخرى، لم يجد طريقه إلى التنفيذ الفعلي في حينه.
نموذج يتكرر في مواقع أخرى
ما يحدث في الصهريج البرتغالي ليس حالة معزولة. فعدد من المواقع التاريخية في المغرب تعيش الوضع نفسه، بين الإهمال التدريجي والتدخلات المتأخرة.
من بين هذه المواقع الوليدية ولمجاهدين، حيث تتكرر نفس الملامح: ضعف الصيانة، غياب رؤية مستدامة، وتدخلات غالباً ما تأتي بعد فوات الأوان.
هذا النمط المتكرر يعكس إشكالاً أعمق يتعلق بطريقة تدبير التراث، أكثر مما يتعلق بغياب الموارد فقط، إذ إن الإشكال الحقيقي يكمن في آليات القرار وسرعة التنفيذ.
تبريرات تتكرر… ونتائج محدودة
الجهات المسؤولة غالباً ما تبرر هذا الوضع بالإكراهات الإدارية، ونقص الميزانيات، وتعقيد المساطر. لكن هذه التبريرات، رغم وجاهتها الجزئية، لا تفسر حجم التأخير ولا استمرار نفس الاختلالات عبر سنوات طويلة.
فالتراث، بطبيعته، لا ينتظر المساطر، ولا يتوقف عند التعقيدات الإدارية. كل يوم تأخير يعني تدهوراً إضافياً، وأحياناً فقداناً جزئياً لا يمكن استرجاعه.
لجنة جديدة… أمل متأخر
إحداث اللجنة الاستشارية الجديدة يُقدَّم اليوم كخطوة لإعادة إطلاق الملف، لكنه يأتي في سياق فقد فيه الكثير من الثقة، بعد سنوات من الانتظار دون نتائج ملموسة.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستكون هذه اللجنة نقطة تحول حقيقية نحو تدخل ميداني عاجل؟ أم أنها ستُضاف إلى سلسلة طويلة من اللجان التي لم تغيّر شيئاً في الواقع؟
تراث لا يحتمل مزيداً من الانتظار
القضية في جوهرها تتجاوز موقعاً واحداً، لتطرح سؤالاً وطنياً حول طريقة تعامل المؤسسات مع التراث التاريخي. فالمغرب، بما يزخر به من مواقع أثرية ومعمارية، يمتلك ثروة غير قابلة للتعويض، لكن هذه الثروة تحتاج إلى تدبير يقوم على السرعة والنجاعة وليس على التأجيل.
في حالة الصهريج البرتغالي داخل المدينة البرتغالية بالجديدة، لم تعد هناك مساحة كبيرة للخطاب. المعطيات على الأرض تتحدث بوضوح: تدهور مستمر، ووقت يمر بسرعة أكبر من الإجراءات.
اليوم، لم يعد السؤال هو ماذا يجب أن نفعل، بل لماذا لم يتم الفعل بعد؟ فكل تأخير إضافي يعني خسارة جزء جديد من الذاكرة التاريخية لمدينة الجديدة، ومعها جزء من الهوية المعمارية للمغرب.
التراث لا يحتاج إلى لجان إضافية بقدر ما يحتاج إلى قرار سريع، وتمويل واضح، وتدخل ميداني عاجل. لأن ما يُهمل اليوم، لن يكون بالإمكان إنقاذه غداً.
