تحقيق استقصائي حصري: “ONCA” تحت المجهر: كيف حوّل هشام رحالي وعزيز أخنوش الاستشارة الفلاحية إلى “سوق” للريع وأزمات متلاحقة؟

FB_IMG_1777134644761-7o9ct0qq1pojbc2ndqqsjexsyui1jy5sg8k96f2bj2v

في مشهد يعيد إنتاج أزمة الثقة بين المواطن والدولة، لم يعد القطاع الفلاحي المغربي يعاني فقط من قسوة الجفاف، بل من وباء إداري وفساد مؤسساتي يتغذى على المال العام، ويتغول على أحلام الفلاح البسيط، ويهدد الأمن الغذائي لملايين المغاربة. في خضم هذه الأزمة المركبة، يتربع اسمان في قلب العاصفة: هشام رحالي، المدير العام للمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية (ONCA)، وعزيز أخنوش، رئيس الحكومة ووزير الفلاحة الأسبق، الذي لا يزال ظله الثقيل يخيم على القطاع.

هذا التحقيق يكشف، بالوثائق والشهادات، كيف تحول المكتب الوطني للاستشارة الفلاحية من ذراع تقني لدعم الفلاحين إلى “إدارة بيروقراطية مغلقة” تستنزف الميزانيات، وكيف انقلبت سياسات الاستيراد والتصدير إلى آلة لنهب ثروات الدولة، وكيف يُحرم المغاربة سنة بعد سنة من أضحية العيد، في الوقت الذي تتصاعد فيه أصوات تطالب بفتح تحقيق برلماني جاد، لكنها تصطدم بجدار “أخنوش” الصلب.

أولاً: هشام رحالي.. مدير بلا رؤية ومكتب بلا استشارة

منذ تولي هشام رحالي منصب المدير العام للمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية، تحولت هذه المؤسسة الحيوية إلى نموذج للعطالة المؤسساتية والهدر المنظّم للمال العام. فبدلاً من أن تكون منارة للإرشاد الميداني والنزول إلى الحقول لإنقاذ الفلاح الصغير، تحول المكتب إلى وكر للبيروقراطية الصماء، يكتفي بتنظيم ندوات صورية، وطباعة كتيبات لا تنزل إلى أرض الواقع.

اتهامات النقابات بالفساد الإداري

في وثيقة خطيرة حصلت عليها “الجريدة”، وجهت الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي (التابعة للاتحاد المغربي للشغل) اتهامات صارمة لمديرية الموارد البشرية بالمكتب، متهمة إياها بـ “الانحراف في التسيير”، و”استغلال سيارات الدولة وممتلكات المكتب في الجهات الجنوبية رغم توفر أدلة موثقة”، و”سياسة إقصاء ممنهجة” ضد أطر المكتب الأصليين لصالح عناصر خارجية، في خطوة تكرس منطق الولاء على حساب الكفاءة. كما أشار البيان النقابي إلى “حملة ممنهجة” ضد الدكتور كريم رباح، الذي وُصف بـ “رمز النزاهة والمهنية”، مما يؤكد وجود صراعات داخلية تغذيها المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة.

ثانياً: أرقام صادمة.. ميزانيات بالمليارات وخدمات شبه منعدمة

يكشف تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE) حقيقة مرعبة: مستشار فلاحي واحد يؤطر ما بين 5000 و6000 فلاح في المتوسط. هذا الرقم الكارثي يعني أن الاستشارة الفلاحية، كما تقدمها المؤسسة، هي مجرد حبر على ورق، ولا يمكن بأي حال أن تحدث أي نقلة نوعية في الميدان.

في عام 2018، بلغت ميزانية الاستشارة الفلاحية 130 مليون درهم، ارتفاعاً من 80 مليوناً في 2013. ومع ذلك، أين ذهبت هذه المليارات؟ الإجابة تتجلى في الأزمات المتلاحقة التي يعيشها المغاربة، والتي تؤكد أن هذه الأموال ضاعت في ثقب أسود من الصفقات المشبوهة والحملات التحسيسية الوهمية.

أزمات متتالية: اللحوم، الخضر، الزيوت، والأضاحي

في عهد تدبير هشام رحالي للمكتب، عاش المغاربة على وقع انهيار متسلسل للأسواق:

  • أزمة اللحوم المستوردة: أهدرت الحكومة 13.3 مليار درهم من المال العام في شكل إعفاءات جمركية ودعم مباشر لـ277 مستورداً فقط، بينهم مستوردان من أصل لبناني، دون أن تنخفض الأسعار في الأسواق الوطنية، حيث ظلت اللحوم الحمراء تتراوح بين 120 و140 درهماً للكيلوغرام.

  • أزمة الخضر والفواكه: ارتفع سعر الطماطم إلى 10 دراهم والبطاطس إلى 7 دراهم للكيلوغرام، بينما تُصدَّر أفضل المنتجات إلى أوروبا في سياسة جنونية تخدم لوبي المصدرين على حساب الأمن الغذائي للمواطن المغربي.

  • أزمة الزيوت: تجاوز سعر زيت الزيتون 100 درهم للتر الواحد خلال موسم 2024-2025، مما جعله سلعة كمالية لا يستطيع تحملها الفقير.

  • أزمة الأضاحي (2025-2026): في عام 2025، حرّم المغاربة من نحر أضحية العيد لأول مرة في تاريخهم، بناءً على نداء ملكي. وفي عام 2026، وجدوا أنفسهم أمام نفس الكابوس، بأسعار خيالية تتراوح بين 3000 و8000 درهم للرأس الواحد، وسط غياب تام للشفافية حول مصير القطيع الوطني.

ثالثاً: “الفراقشية” وريع الاستيراد.. من يستفيد من معاناة المغاربة؟

وراء كل أزمة من هذه الأزمات، يقف لوبي الاستيراد والتصدير، الذي يغتني على حساب جوع المغاربة. ففي أزمة الأضاحي، برز اسم ما يُعرف بـ “الفراقشية” (الأغنام المستوردة من إسبانيا وأمريكا اللاتينية)، وهي عملية استيراد رعتها الحكومة بدعم مباشر وتسهيلات جمركية، لكن النتيجة كانت وصول أضاحٍ هزيلة إلى الأسواق بأسعار لا تطاق. وكشفت تحقيقات أولية أن برلمانيين من الأغلبية الحكومية أنفسهم تورطوا في توزيع “بوالص استيراد” دون وجه حق.

عقارات الدولة: من “صوديا” و”صوجيطا” إلى جيوب النخبة

لا تكتمل صورة الفساد دون العودة إلى ملف أراضي الدولة الفلاحية. ففي عهد وزارة عزيز أخنوش (قبل رئاسته للحكومة)، تم تفويت أكثر من 100 ألف هكتار من أجود الأراضي الفلاحية، التي كانت تديرها شركتا “صوديا” و”صوجيطا”، إلى شركات كبرى ورجال أعمال مقربين من السلطة، بأسعار كراء رمزية ولمدد طويلة، تحت ذريعة “الاستثمار”. لكن النتيجة كانت تكريس إقطاعية جديدة، حيث حُرم الشباب القروي والفلاح الصغير من أي حق في الأرض، بينما ذهبت كل الامتيازات (الماء، الدعم، التصدير) لكبار الملاكين.

رابعاً: أخنوش والبرلمان.. لماذا يرفض رئيس الحكومة كشف الحقيقة؟

في خضم هذه الفضيحة المتراكمة، تقدمت فرق المعارضة البرلمانية بمطالب متكررة لتشكيل لجنة تقصي حقائق برلمانية، للكشف عن حقيقة دعم استيراد المواشي، وإشكالات القطيع الوطني، وملف أراضي “صوديا” و”صوجيطا”. لكن في كل مرة، يقف عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، سداً منيعاً في وجه هذه التحقيقات.

فبدلاً من لجنة تقصي حقائق تملك صلاحيات واسعة في الاستماع والتحقيق والنفاذ إلى الوثائق الرسمية، سعت الأغلبية الحكومية إلى فرض “مهمة استطلاعية” بديلة، لا تملك نفس الصلاحيات، وتقودها الأغلبية نفسها، في خرق صارخ للأعراف البرلمانية. وعندما وُجهت إلى أخنوش أسئلة محرجة حول هذا الموضوع، أجاب بتصريحات متناقضة، قائلاً إنه “لا يمانع لجنة تقصي الحقائق”، لكنه في الوقت نفسه وصف مبادرة المعارضة بـ”الإثارة السياسية” و”الكذب”.

المعارضة، وعلى لسان حزب التقدم والاشتراكية، فضحت هذا الموقف، مؤكدة أن رفض تشكيل لجنة تقصي الحقائق يعزز الشكوك ويكشف عن حجم التخوف من كشف حيثيات الدعم الهائل وعلاقته بمراكز النفوذ والريع. إن استمرار تعطيل لجنة تقصي الحقائق هو دليل دامغ على أن من يسرقون المال العام ويستغلون معاناة المغاربة هم أنفسهم من يحتكرون السلطة التشريعية والتنفيذية، ويستخدمونها كغطاء لحماية فسادهم من أي مساءلة.

فتح تحقيق شامل فوراً

إن ما كشفه هذا التحقيق ليس سوى غيض من فيض. فالمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية، تحت إدارة هشام رحالي، لم يعد فقط عاجزاً عن تقديم خدمات حقيقية، بل تحول إلى أداة في شبكة فساد واسعة، تمتد إلى أراضي الدولة، وصفقات الاستيراد، وريع التصدير، وصولاً إلى منع أي تحقيق برلماني جاد.

المطلوب اليوم، وبإلحاح، هو:

  1. فتح تحقيق برلماني عاجل وشامل من قبل لجنة تقصي حقائق حقيقية، تملك الصلاحيات الكاملة للنفاذ إلى كل الوثائق والاستماع إلى كل الشهود.

  2. محاسبة هشام رحالي على سوء التدبير والفساد الإداري المتهم به، وكشف حقيقة ميزانيات “ONCA” وصفقاته.

  3. كشف المستفيدين الحقيقيين من صفقات تفويت أراضي “صوديا” و”صوجيطا”، ومن دعم استيراد المواشي ومنح التصدير.

  4. مراجعة شاملة للسياسة الفلاحية، لوقف استنزاف المياه لصالح التصدير، وإعادة توجيه الإنتاج نحو السوق الداخلي لضمان الأمن الغذائي والأسعار المعقولة.

لقد انتهى زمن الصمت. هذه ليست مجرد اتهامات، بل وقائع وأرقام ووثائق. إما أن تقوم الدولة بواجبها في حماية المال العام ومحاسبة المتورطين، وإما أن يتحمل الجميع، بدءاً من هشام رحالي وانتهاءً بعزيز أخنوش، المسؤولية التاريخية أمام شعب يئن من الغلاء والجوع والحرمان من أبسط حقوقه.

About The Author