أزمور تعانق الذاكرة الغيوانية.. الدورة الثالثة لمهرجان “أرواح غيوانية” تحول مدينة الفن والتاريخ إلى عاصمة للنغم المغربي الأصيل

Capture d’écran 2026-06-12 120432

عاشت مدينة أزمور خلال اليومين الأخيرين على إيقاع واحد من أبرز المواعيد الثقافية والفنية بالمغرب، بعدما احتضنت المحطة الختامية للدورة الثالثة من مهرجان “أرواح غيوانية”، الذي اختار هذه السنة الاحتفاء بالحضور النسائي في التجربة الغيوانية، مع استحضار روح واحدة من أهم الظواهر الفنية التي طبعت الوجدان المغربي منذ سبعينيات القرن الماضي.

ولم يكن اختيار أزمور لاحتضان السهرتين الختاميتين للمهرجان أمراً اعتباطياً، فهذه المدينة الضاربة في عمق التاريخ المغربي ظلت على الدوام فضاءً حاضناً للإبداع والثقافة والفنون الشعبية، كما شكلت عبر عقود ملتقى للفنانين والمبدعين والباحثين عن الجمال والتراث الأصيل.

أزمور.. مدينة تعرف كيف تحافظ على ذاكرتها الفنية

في فضاء “القبطانية”، المطل على نهر أم الربيع، توافد عشاق الأغنية الغيوانية من مختلف المدن المغربية لمتابعة أمسيتين فنيتين أعادتا إلى الأذهان زمن الكلمة الهادفة والالتزام الفني والإبداع الذي جعل من المجموعات الغيوانية مدرسة فنية قائمة الذات.

وشهدت الليلة الأولى مشاركة مجموعة “الغيوانيات” بقيادة الفنانة فاطمة ولهان إلى جانب المجموعة العريقة “مسناوة”، التي قدمت باقة من أشهر أعمالها المستوحاة من التراث الشعبي لمنطقة الشاوية، والمشبعة بأهازيج الفلاحين والنساء القرويات وإيقاعات “الوترة” والسواكن التي شكلت جزءاً من الهوية الموسيقية المغربية.

أما السهرة الختامية فقد جمعت بين مجموعة “تكدة” ومجموعة “بنات لمشاهب”، في عرض فني أعاد التأكيد على قدرة الأغنية الغيوانية على تجديد نفسها ومخاطبة الأجيال الجديدة دون أن تفقد ارتباطها بجذورها التراثية.

الأغنية الغيوانية.. أكثر من مجرد لون موسيقي

ويرى عدد من الباحثين في الشأن الثقافي أن الظاهرة الغيوانية ليست مجرد نمط غنائي، بل تمثل مشروعاً مجتمعياً وثقافياً متكاملاً ولد في سياق اجتماعي وسياسي خاص خلال سبعينيات القرن الماضي.

فقد نجحت مجموعات مثل “ناس الغيوان” و”جيل جيلالة” و”لمشاهب” و”مسناوة” في تحويل الأغنية الشعبية إلى وسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع وهموم المواطن البسيط، مستلهمة الشعر الملحون والتصوف والتراث الشعبي المغربي.

ولهذا السبب ما تزال الأغنية الغيوانية تحظى بمكانة استثنائية داخل الذاكرة الجماعية للمغاربة، باعتبارها تجربة فنية تجاوزت حدود الترفيه لتصبح جزءاً من الهوية الثقافية الوطنية.

المرأة في قلب الدورة الثالثة

وتميزت دورة هذه السنة باختيار تيمة الحضور النسائي داخل التجربة الغيوانية، في محاولة لإبراز الأدوار التي لعبتها المرأة في تطوير هذا الموروث الفني والمحافظة عليه وإعادة إنتاجه بأساليب معاصرة.

كما احتضنت فعاليات المهرجان محطات فكرية وثقافية ناقشت مكانة المرأة داخل الظاهرة الغيوانية، إلى جانب تكريم عدد من الأسماء التي ساهمت في توثيق هذا الإرث الفني والمحافظة عليه للأجيال المقبلة.

تكريم الراحل محمد السوسدي.. وفاء لرواد الأغنية الملتزمة

ومن أبرز لحظات المحطة الختامية بأزمور، تنظيم لحظة وفاء وتكريم للفنان الراحل محمد السوسدي، أحد الأسماء التي تركت بصمتها داخل المشهد الغيواني المغربي، في خطوة تعكس حرص منظمي المهرجان على ربط الأجيال الجديدة برواد هذا الفن الأصيل.

رهان ثقافي وسياحي لأزمور

ويؤكد متابعون أن احتضان أزمور لمثل هذه التظاهرات الكبرى لا يساهم فقط في إنعاش الحياة الثقافية، بل ينعكس أيضاً بشكل إيجابي على الحركة الاقتصادية والسياحية للمدينة، التي تمتلك مؤهلات تاريخية وتراثية كبيرة تجعلها من أبرز الحواضر الثقافية بجهة الدار البيضاء – سطات.

كما يشكل المهرجان فرصة لإعادة تسليط الضوء على أزمور كمدينة للفن والتراث، خاصة في ظل الجهود المبذولة لإحياء فضاءاتها الثقافية وتعزيز إشعاعها على الصعيدين الوطني والدولي.

حين تنتصر الذاكرة على النسيان

نجحت الدورة الثالثة من مهرجان “أرواح غيوانية” في توجيه رسالة واضحة مفادها أن الأغنية الغيوانية ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل تراث حي قادر على الاستمرار والتجدد ومخاطبة الأجيال الجديدة.

ومن أزمور، المدينة التي احتضنت المحطة الختامية للمهرجان، بدا واضحاً أن روح الغيوان ما تزال نابضة بالحياة، وأن الكلمة الصادقة واللحن الأصيل ما زالا قادرين على جمع المغاربة حول ذاكرة فنية مشتركة صنعت جزءاً مهماً من تاريخهم الثقافي المعاصر.

About The Author