أكثر من نصف مليون متفرج في ليلة الستاتي.. موسم مولاي عبد الله أمغار يختتم اليوم على إيقاع نجاح تنظيمي غير مسبوق
يسدل اليوم الجمعة الستار على فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار لسنة 2026، بعد ثمانية أيام حافلة بالأنشطة الدينية والثقافية والفنية والفروسية، وبحضور جماهيري استثنائي جعل من هذه الدورة واحدة من أبرز محطات الموسم خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت جماعة مولاي عبد الله بإقليم الجديدة إلى وجهة لعشرات الآلاف من الزوار يومياً، وإلى فضاء احتفالي واسع استقطب جماهير من مختلف مناطق المغرب.
وتأتي دورة هذه السنة، المنظمة ما بين 7 و14 غشت الجاري، في سياق خاص، بالنظر إلى الحجم الكبير للتوافد الجماهيري وتنوع البرنامج الذي جمع بين التبوريدة والصيد بالصقور والأنشطة الدينية والثقافية والسهرات الفنية، إلى جانب الحركة التجارية والاقتصادية التي رافقت مختلف أيام الموسم. وقد أعلنت إدارة الموسم منذ البداية عن برنامج فني متنوع، فيما امتدت عروض الفروسية والصيد بالصقور من 8 إلى 14 غشت، على أن تختتم الفعاليات الرسمية اليوم الجمعة.
ليلة الستاتي.. رقم قياسي جديد في الحضور
وكانت ليلة أمس الخميس، التي أحياها الفنان عبد العزيز الستاتي إلى جانب الشابة روعة وعبدو الغالي، واحدة من أقوى ليالي الموسم وأكثرها استقطاباً للجمهور، حيث تحولت المنطقة إلى فضاء جماهيري ضخم منذ الساعات الأولى للمساء، قبل أن تبلغ الكثافة ذروتها مع انطلاق فقرات السهرة.
وبحسب تقديرات متداولة في محيط التنظيم والمتابعة الميدانية، فقد تجاوز عدد الحاضرين خلال هذه الليلة نصف مليون شخص، في واحدة من أكبر التجمعات الجماهيرية التي شهدها الموسم، وهو رقم يعكس حجم الجاذبية التي أصبح يحظى بها هذا الموعد السنوي، ليس فقط على مستوى دكالة، وإنما على الصعيد الوطني.
وقد ساهم اسم عبد العزيز الستاتي، المعروف بجماهيريته الواسعة، في رفع حجم الإقبال، غير أن قوة الحضور لم تكن مرتبطة بالسهرة الفنية وحدها، إذ تزامنت معها حركة استثنائية في مختلف فضاءات الموسم، ما جعل ليلة الخميس اختباراً حقيقياً للمنظومة التنظيمية والأمنية واللوجستية المعتمدة.
عندما يكون التنظيم أمام نصف مليون شخص
الأرقام الكبيرة لا تعني شيئاً إذا لم تواكبها قدرة ميدانية على التدبير، وهو ما جعل نجاح ليلة أمس مرتبطاً بشكل مباشر بمستوى الاستعداد الذي سبقها، وبالتنسيق بين مختلف المصالح المتدخلة.
فمع هذا الحجم من الحضور، تصبح حركة السير، وتنظيم مداخل ومخارج الجماهير، وتأمين الفضاءات، والتدخل السريع عند الحاجة، ومراقبة المحيط، وتوجيه الزوار، وتأمين المنشآت والمرافق، تحديات متزامنة تحتاج إلى قيادة ميدانية دقيقة وقرارات سريعة وتنسيق مستمر بين مختلف الأجهزة.
وهنا برزت التعبئة التي سخرتها السلطات الإقليمية ومختلف المصالح الأمنية والإدارية، في مشهد عكس حجم الاستعداد الذي سبق الدورة، خصوصاً أن موسم مولاي عبد الله أمغار لم يعد مجرد مناسبة محلية، بل أصبح تظاهرة جماهيرية كبرى تتطلب تدبيراً قريباً من منطق تأمين الأحداث الكبرى.
العامل سيدي صالح داحا.. قيادة ميدانية في قلب الحدث
وفي صلب هذه التعبئة، برز حضور عامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا، الذي واكب الموسم ميدانياً، في وقت تحولت فيه المنطقة إلى فضاء يستقبل أعداداً استثنائية من المواطنين والزوار.
وتكمن أهمية هذه القيادة في أن تدبير موسم بهذا الحجم لا يمكن أن يعتمد فقط على مخططات مكتوبة أو ترتيبات مسبقة، بل يحتاج إلى حضور ميداني مستمر، وقراءة مباشرة للوضع، وربط متواصل بين مختلف المتدخلين، خصوصاً خلال فترات الذروة التي تعرف ضغطاً كبيراً على الطرق والمداخل ومحيط منصات السهرات ومختلف فضاءات الموسم.
وقد انعكس هذا الحضور في طبيعة التعبئة التي عرفتها المنطقة، حيث اشتغلت السلطات والأجهزة الأمنية والمصالح المختصة ضمن منظومة متكاملة هدفها الأساسي ضمان مرور التظاهرة في ظروف آمنة ومنظمة، مع الحفاظ على انسيابية حركة المواطنين وتقليص آثار الضغط الجماهيري.
وكان افتتاح الموسم قد شهد بدوره حضور والي جهة الدار البيضاء-سطات محمد امهيدية وعامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا، إلى جانب عدد من المسؤولين المدنيين والعسكريين ورؤساء المصالح والمنتخبين، في مشهد عكس حجم الرهان المؤسساتي على إنجاح هذه التظاهرة. كما جرى التأكيد منذ البداية على التعبئة الشاملة للسلطات الإقليمية والأجهزة الأمنية والمصالح المختصة.
منظومة أمنية أمام اختبار صعب
لم يكن تأمين الموسم مقتصراً على الحضور الأمني الظاهر للعموم، بل قام على تعدد مستويات التدخل والمراقبة والتنسيق، في ظل توافد جماهيري كبير على منطقة محدودة جغرافياً، إضافة إلى حركة المركبات والراجلين والباعة والخيالة والمشاركين في مختلف الأنشطة.
ويُحسب للمنظومة التنظيمية أنها تعاملت مع الموسم باعتباره حدثاً متعدد الأبعاد، يحتاج إلى تدبير أمني ومروري وصحي ولوجستي في الوقت نفسه. كما أظهرت تدخلات المصالح المختصة خلال أيام الموسم يقظة ميدانية في مراقبة مختلف الأنشطة، إذ سبق أن تمكنت عناصر مركز البيئة التابع للقيادة الجهوية للدرك الملكي بالجديدة من إحباط محاولة لترويج مواد غذائية فاسدة داخل فضاء الموسم، وهو ما يعكس تعدد مستويات المراقبة التي رافقت التظاهرة.
واللافت أن نجاح التنظيم لا يقاس فقط بعدد التدخلات التي تمت، وإنما أيضاً بعدد المشاكل التي لم تقع أصلاً نتيجة الإجراءات الوقائية والاستباقية. وفي موسم يستقبل هذا الحجم من الزوار، فإن الحفاظ على الهدوء والانسيابية وتجنب الاختناقات الكبرى وسط الحشود يمثل في حد ذاته مؤشراً على فعالية التدبير الميداني.
موسم يتجاوز الفرجة إلى حركية اقتصادية واسعة
وبعيداً عن السهرات، أكد موسم مولاي عبد الله أمغار مرة أخرى قدرته على تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، من خلال الرواج الذي تشهده التجارة والمطاعم والخدمات والنقل والإيواء والأنشطة المرتبطة بالفروسية والصناعة التقليدية ومختلف الخدمات الموجهة للزوار.
كما حافظ الموسم على مكونه التراثي من خلال عروض التبوريدة والصيد بالصقور، إلى جانب البرنامج الديني والثقافي الذي يشكل جزءاً أساسياً من هوية هذه التظاهرة. وقد شددت الجهات المنظمة منذ الإعلان عن الدورة على أن الموسم يمثل موعداً سنوياً للاحتفاء بالتراث اللامادي والتقاليد العريقة لمنطقة دكالة.
وهذا التنوع هو تحديداً ما يجعل موسم مولاي عبد الله أمغار مختلفاً عن مجرد مهرجان فني؛ فهو يجمع في فضاء واحد بين البعد الروحي والتراثي والفروسية والفرجة الفنية والحركية الاقتصادية، ويستقطب جمهوراً واسعاً من مختلف الفئات والأعمار.
اليوم.. الستار يسدل على دورة استثنائية
ومع حلول اليوم الجمعة، تدخل دورة 2026 ساعاتها الأخيرة، قبل أن تُختتم رسمياً فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار. وستتواصل اليوم الأنشطة المبرمجة، فيما يشهد البرنامج الفني سهرة ختامية بمشاركة منير النواوي وإدريس بوعزاوي وسعيد أولاد حوات، على أن تقام مراسم الاختتام الرسمية ابتداء من الرابعة بعد الزوال.
وبذلك، لا يغلق موسم مولاي عبد الله أمغار أبوابه اليوم بعد أسبوع من الأنشطة فقط، بل يطوي دورة أثبتت مرة أخرى أن هذه التظاهرة أصبحت حدثاً وطنياً كبيراً، يحتاج إلى تعبئة مؤسساتية وتنظيمية وأمنية توازي حجمه الحقيقي.
وإذا كان الجمهور قد منح الموسم مشهده الأكبر ليلة أمس بحضور تجاوز، وفق التقديرات المتداولة، نصف مليون شخص خلال سهرة عبد العزيز الستاتي، فإن الاختبار الحقيقي كان في قدرة السلطات والمتدخلين على إدارة هذه الكتلة البشرية الهائلة دون أن تتحول الكثافة إلى فوضى.
وفي هذا الجانب، أظهر التنظيم المحكم والتعبئة الميدانية والقيادة المتواصلة التي واكبها عامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا أن نجاح التظاهرات الكبرى لا يصنعه الفنان وحده ولا حجم الجمهور فقط، وإنما تصنعه قبل ذلك قدرة الإدارة والسلطات والأجهزة الأمنية والمصالح المختصة على تحويل الحشود الكبيرة إلى مشهد منظم وآمن.
وهكذا يختتم موسم مولاي عبد الله أمغار 2026 واحدة من أكثر دوراته حضوراً وإثارة، تاركاً وراءه صورة موسم استطاع أن يجمع بين قوة التراث وحجم الفرجة، وبين الجاذبية الجماهيرية والرهان التنظيمي، في انتظار دورة جديدة يُنتظر أن ترفع سقف التحدي أكثر.
