الجديدة بين ثقل الإكراهات ورهانات الإقلاع التنموي.. هل ينجح عامل الإقليم سيدي صالح دحا في كسب معركة الإصلاح؟
لا يختلف اثنان على أن إقليم الجديدة يعد من أكثر أقاليم المملكة امتلاكا للمؤهلات الاقتصادية والسياحية والفلاحية والصناعية. فهو يحتضن أحد أكبر المركبات الصناعية بالمغرب، ويتوفر على شريط ساحلي يمتد لعشرات الكيلومترات، كما يضم ميناء الجرف الأصفر، وأكبر محطة لإنتاج الطاقة الكهربائية، ومؤهلات فلاحية وسياحية جعلته لعقود قاطرة اقتصادية لجهة الدار البيضاء-سطات.
غير أن هذا الغنى في الإمكانيات لم ينعكس دائما بالقدر نفسه على جودة الخدمات والمرافق العمومية، إذ لا تزال عدد من الجماعات الترابية تواجه تحديات متراكمة ترتبط بالبنية التحتية، والنظافة، والتوسع العمراني، والنقل، والإنارة العمومية، وحماية الشريط الساحلي، وتدبير الفضاءات السياحية، فضلا عن الحاجة إلى تأهيل عدد من المراكز الصاعدة التي تعرف نموا عمرانيا وديمغرافيا متسارعا.
وتبرز مدينة الجديدة نفسها كنموذج لهذا التناقض؛ فهي مدينة سياحية بامتياز، لكنها تجد نفسها، خصوصا خلال فصل الصيف، أمام ضغط غير مسبوق نتيجة توافد مئات الآلاف من الزوار، وهو ما يضع شبكات التطهير، والطرقات، وخدمات النظافة، والأمن، ومواقف السيارات، والمرافق العمومية أمام اختبار يومي.
كما أن عددا من الجماعات القروية بالإقليم ما تزال تنتظر تسريع وتيرة المشاريع المرتبطة بفك العزلة، وتحسين المسالك الطرقية، وتقوية الشبكات المائية، ودعم الاستثمار المحلي، وخلق فرص الشغل، وهي ملفات تتطلب تنسيقا مستمرا بين مختلف المتدخلين.
وسط هذه التحديات، يجد عامل إقليم الجديدة سيدي صالح دحا نفسه أمام ورش كبير لا يقبل الحلول الظرفية، بل يحتاج إلى رؤية ميدانية قائمة على تتبع الأوراش، وتسريع وتيرة الإنجاز، وتنسيق الجهود بين مختلف المصالح اللاممركزة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية.
ومنذ تعيينه على رأس عمالة الإقليم، برزت مقاربة ترتكز على تكثيف الاجتماعات التنسيقية، ومواكبة عدد من الملفات ذات الأولوية، مع الحرص على التنسيق بين مختلف المتدخلين لمعالجة الإشكالات التي يعرفها الإقليم، خاصة تلك التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
ويرى متابعون أن المرحلة الحالية تفرض إعطاء الأولوية للملفات ذات الأثر المباشر على الساكنة، وفي مقدمتها تأهيل الفضاءات الحضرية، وتحسين خدمات النظافة، وتنظيم الشواطئ، وتعزيز السلامة الطرقية، ومحاربة البناء غير القانوني، وحماية الملك العمومي، إلى جانب مواصلة تشجيع الاستثمار وخلق مناخ أكثر جاذبية للمقاولات.
كما أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تدشين المشاريع، بل في ضمان استدامتها، وجودة الخدمات التي تقدمها، وربط المسؤولية بالمحاسبة في كل ورش يعرف تعثرا أو تأخرا، حتى يشعر المواطن بأن التنمية تنعكس فعلا على واقعه اليومي.
وتحتاج هذه المرحلة كذلك إلى تعبئة جماعية، لأن نجاح أي مسؤول ترابي لا يرتبط بجهوده الفردية وحدها، وإنما بمدى انخراط مختلف الفاعلين، من جماعات ترابية، ومصالح خارجية، ومؤسسات عمومية، ومنتخبين، وقطاع خاص، ومجتمع مدني، في تنفيذ رؤية تنموية موحدة تجعل من مصلحة الإقليم أولوية فوق كل اعتبار.
واليوم، تبدو أمام عامل الإقليم فرصة حقيقية لقيادة مرحلة جديدة قوامها الحكامة والنجاعة والإنصات، خاصة وأن الجديدة تتوفر على كل المقومات التي تؤهلها لتصبح قطبا اقتصاديا وسياحيا أكثر تنافسية على الصعيد الوطني.
ويبقى نجاح هذه المرحلة رهينا بقدرة مختلف المتدخلين على تجاوز منطق التدبير اليومي نحو منطق التخطيط الاستراتيجي، وتسريع إنجاز المشاريع، ومعالجة الاختلالات التي تؤثر على جودة عيش المواطنين، حتى يستعيد إقليم الجديدة المكانة التي يستحقها كأحد أهم الأقطاب الاقتصادية والسياحية بالمملكة، في انسجام مع التوجيهات الملكية الداعية إلى تحقيق تنمية مجالية متوازنة، وربط الاستثمار بتحسين جودة حياة المواطنين.
