الرباط تتحول إلى عاصمة للأمن الحديث.. المغرب يدشن أكبر مركب أمني ويبعث رسائل قوة وثقة للعالم

images

في مشهد غير مسبوق يجسد التحول العميق الذي تعرفه المؤسسة الأمنية المغربية، احتضنت العاصمة الرباط مساء الأحد حدثا وطنيا ودوليا بارزا، تمثل في تدشين المقر المركزي الجديد لـالمديرية العامة للأمن الوطني، وإعطاء الانطلاقة الرسمية للدورة السابعة لأيام الأبواب المفتوحة للأمن الوطني، تزامنا مع تخليد الذكرى السبعين لتأسيس جهاز الأمن الوطني المغربي. وقد شكل هذا الحدث الكبير مناسبة لإبراز التحول الاستراتيجي الذي تعيشه المنظومة الأمنية بالمملكة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، والذي جعل من تحديث المؤسسة الأمنية إحدى ركائز بناء الدولة الحديثة.

وشهد حفل الافتتاح حضور شخصيات سياسية وأمنية وقضائية ودبلوماسية رفيعة المستوى، يتقدمهم وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والمدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي، إلى جانب رئيس منظمة الإنتربول لوكاس فيليب، والأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب محمد بن علي كومان، إضافة إلى وفود أمنية عربية ودولية.

ولم يكن تدشين المقر الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني مجرد افتتاح لبناية إدارية حديثة، بل رسالة سياسية وأمنية قوية تؤكد أن المغرب اختار، بقيادة الملك محمد السادس، الاستثمار في الأمن باعتباره ركيزة للاستقرار والتنمية والثقة. فالمركب الأمني الجديد، الذي يعد من أكبر المنشآت الأمنية الحديثة على مستوى القارة الإفريقية، يمتد على مساحة تناهز 20 هكتارا، ويضم مختلف المصالح المركزية للأمن الوطني داخل فضاء موحد يعتمد الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة في التدبير والتنسيق والتدخل الأمني.

ويعكس هذا المشروع الضخم رؤية مغربية جديدة للعمل الأمني، تقوم على الانتقال من المفهوم التقليدي للأمن إلى مفهوم المؤسسة الأمنية الذكية، التي تعتمد التكنولوجيا والرقمنة والتكوين المستمر والجاهزية العملياتية العالية، إلى جانب ترسيخ البعد الإنساني في العلاقة مع المواطنين.

وقد جاءت الدورة السابعة لأيام الأبواب المفتوحة لتكرس هذا التوجه، حيث تحولت فضاءات التظاهرة إلى منصة تواصلية مفتوحة بين المواطن والمؤسسة الأمنية، من خلال عروض ميدانية واستعراضات احترافية قدمتها مختلف الوحدات والتشكيلات الأمنية، من بينها فرق التدخل الخاصة، والشرطة العلمية والتقنية، والشرطة السينوتقنية، وفرق الخيالة والدراجين، إضافة إلى عروض الدفاع الذاتي والمحاكاة الأمنية المتطورة.

كما شكلت هذه التظاهرة فرصة لإبراز حجم التطور الذي شهدته المؤسسة الأمنية المغربية خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى تحديث البنيات التحتية أو تطوير الخدمات الشرطية أو تعزيز آليات الاستجابة الأمنية. وهو ما ينسجم مع الاستراتيجية التي أعلنت عنها المديرية العامة للأمن الوطني لسنة 2026، والتي ترتكز على الرقمنة، وتجويد الخدمات، وتقوية البنيات الأمنية، وتطوير التكوين والكفاءات البشرية.

وفي واحدة من أقوى اللحظات الرمزية خلال الحفل، تم تكريم عدد من المدراء العامين السابقين للأمن الوطني وتسليم أوسمة ملكية لعدد من نساء ورجال الأمن الوطني، في التفاتة تؤكد ثقافة الاعتراف بالمجهودات والتضحيات التي تبذلها الأسرة الأمنية في سبيل حماية الوطن والمواطنين.

ولعل البعد الدولي كان حاضرا بقوة خلال هذه المناسبة، خاصة بعد الإشادات الواسعة التي عبر عنها رئيس الإنتربول، الذي أكد أن المغرب أصبح نموذجا دوليا في تحديث المؤسسات الأمنية، بفضل الاستثمارات المستمرة في التكوين والتكنولوجيا والموارد البشرية، معتبرا أن المملكة نجحت في بناء شرطة حديثة وفعالة تحظى بثقة المواطنين واحترام الشركاء الدوليين.

كما أشاد الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب بالتجربة المغربية في تنظيم أيام الأبواب المفتوحة، معتبرا أنها أصبحت نموذجا عربيا رائدا في تكريس مفهوم الشرطة المواطنة والانفتاح المؤسساتي وتعزيز الثقة بين المواطن وجهاز الأمن.

إن ما جرى بالرباط لم يكن مجرد احتفال بذكرى تأسيس مؤسسة أمنية، بل كان استعراضا لمغرب جديد يبني مؤسساته بثقة، ويؤمن بأن الأمن لم يعد مجرد وظيفة تقليدية، بل رافعة للتنمية والاستقرار وجاذبية الاستثمار. كما أن الرسائل التي حملها هذا الحدث أكدت أن المملكة المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، ماضية في ترسيخ نموذج أمني حديث يجمع بين الصرامة المهنية، والانفتاح المؤسساتي، والتكنولوجيا المتطورة، والبعد الإنساني، في وقت أصبحت فيه التحديات الأمنية أكثر تعقيدا على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وبين تدشين أكبر مركب أمني بالقارة الإفريقية، والانفتاح الواسع على المواطنين، والإشادة الدولية المتواصلة بالكفاءة المغربية، تبدو المؤسسة الأمنية المغربية اليوم في قلب مشروع دولة حديثة تراهن على الأمن كدعامة أساسية لبناء المستقبل، وتعزيز الثقة، وحماية الاستقرار الوطني في عالم يموج بالتحولات والتهديدات المتسارعة.

About The Author