دورة استثنائية لجماعة الجديدة.. شركة النقل تفتح سؤالاً أكبر حول تدبير مدينة تتعثر أوراشها وتتراجع خدماتها

785993202_1624179245825478_4335849895905238787_n

تستعد جماعة الجديدة لعقد دورة استثنائية لمجلسها الجماعي يوم الخميس 3 شتنبر 2026، ابتداءً من الساعة الحادية عشرة صباحاً، بقاعة الاجتماعات بمقر الجماعة، وذلك بناءً على مراسلة عامل إقليم الجديدة عدد 4474 المؤرخة في 24 غشت الجاري، وطبقاً لمقتضيات المادة 37 من القانون التنظيمي رقم 113-14 المتعلق بالجماعات.

وتأتي هذه الدورة في ظرف تعرف فيه مدينة الجديدة نقاشاً متزايداً حول مستوى الخدمات الجماعية، وحول قدرة المجلس الجماعي على الاضطلاع الكامل بالأدوار المنوطة به في تدبير الشأن المحلي، في وقت تواجه فيه المدينة تحديات متراكمة ترتبط بالنظافة والإنارة العمومية وصيانة المساحات الخضراء وتتبع عدد من الأوراش والمشاريع التي لم تبلغ بعد مستوى الانتظارات التي عبر عنها السكان.

وبينما يتضمن جدول أعمال الدورة أربع نقاط، يبدو أن أهمها تتمثل في المسار المتعلق بإحداث شركة التنمية المحلية «الجديدة الكبرى للنقل العمومي»، من خلال الموافقة على مساهمة الجماعة في رأسمال الشركة والمصادقة على نظامها الأساسي، وهو توجه يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة تنظيم قطاع النقل، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤالاً أوسع حول ما إذا كان اللجوء إلى شركات التنمية المحلية أصبح ضرورة لتدبير قطاعات لم يعد المجلس الجماعي قادراً على تدبيرها بالكفاءة المطلوبة.

أربع نقاط على جدول الأعمال

يتضمن جدول أعمال الدورة الاستثنائية أربع نقاط أساسية، تبدأ بالموافقة على مساهمة جماعة الجديدة في رأسمال شركة التنمية المحلية الجديدة الكبرى للنقل العمومي، وهي الخطوة التي ترتبط بإرساء إطار مؤسساتي جديد لتدبير وتطوير النقل العمومي بالمدينة.

أما النقطة الثانية فتتعلق بالمصادقة على النظام الأساسي للشركة، بما يؤسس للإطار القانوني والتنظيمي الذي ستعمل في ظله هذه المؤسسة المحلية الجديدة.

ويتضمن جدول الأعمال كذلك نقطة مرتبطة بإعادة صياغة مقرر المجلس بشأن برمجة الفائض الحقيقي برسم السنة المالية 2025، وهي مسألة تكتسي أهمية بالنظر إلى ارتباطها بطريقة توجيه الموارد المالية المتاحة للجماعة نحو المشاريع والخدمات ذات الأولوية.

أما النقطة الرابعة فتهم إصلاح خطأ مادي بمقرر سابق يتعلق بالقيمة العقارية المحددة من طرف اللجنة المكلفة بإجراء الخبرة الإدارية بشأن قطعة أرضية غير قابلة للبناء تبلغ مساحتها خمسة أمتار مربعة بشارع محمد الريفي بدرب غلف، والمستخرجة من الرسم العقاري عدد 156 ز، بهدف دمجها بالرسم العقاري المجاور.

النقل العمومي.. شركة جديدة أمام اختبار المواطن

لا شك أن إحداث شركة تنمية محلية متخصصة في النقل العمومي يمكن أن يمثل فرصة لإعادة بناء هذا القطاع الذي ظل لسنوات واحداً من أكثر الملفات إثارة للنقاش بمدينة الجديدة.

غير أن نجاح الشركة الجديدة لن يقاس باسمها ولا بشكلها القانوني، وإنما بما ستقدمه فعلياً للمواطن من خدمات منتظمة ومحترمة، وبقدرتها على معالجة مشاكل الخطوط والتغطية والربط بين الأحياء والمناطق، وتحسين جودة الحافلات واحترام مواعيد الرحلات والاستجابة للحاجيات المتزايدة للمدينة.

لكن هذا الورش يطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً: إذا كان المجلس الجماعي يتجه إلى إنشاء شركات للتدبير في قطاعات أساسية، فأين تقف مسؤوليته المباشرة في باقي الخدمات التي تدخل أصلاً ضمن صميم اختصاصاته؟

مجلس جماعي مطالب باستعادة أدواره

خلال السنوات الأخيرة، أصبح النقاش حول أداء المجلس الجماعي بالجديدة يتجاوز ملفاً واحداً ليشمل مجموعة من الخدمات اليومية التي تمس حياة السكان بشكل مباشر.

وتأتي النظافة في مقدمة هذه الملفات، باعتبارها واحدة من أهم المؤشرات التي يقيس من خلالها المواطن جودة تدبير مدينته. فالنظافة ليست خدمة موسمية ولا ملفاً يمكن التعامل معه بمنطق الحملات الظرفية، وإنما مسؤولية يومية تتطلب المراقبة والتتبع والصرامة في تنفيذ الالتزامات التعاقدية، سواء تعلق الأمر بجمع النفايات أو الكنس أو تنظيف الشوارع أو تدبير النقاط السوداء.

والملاحظ أن النقاش العمومي بالجديدة أصبح يتكرر حول وضعية عدد من الشوارع والأحياء والفضاءات، وهو ما يستوجب من المجلس الجماعي تقديم حصيلة واضحة حول مستوى الخدمات، ومدى احترام الشركات المتعاقدة لالتزاماتها، وآليات المراقبة التي يعتمدها المجلس، والإجراءات المتخذة عند تسجيل أي تقصير.

المساحات الخضراء.. من ثروة للمدينة إلى ملف مهمل

ولا تقل وضعية المساحات الخضراء أهمية عن ملف النظافة.

فالجديدة مدينة ساحلية وسياحية، وتتوفر على عدد من الحدائق والفضاءات الخضراء التي تشكل جزءاً من هويتها الحضرية، غير أن المحافظة عليها تتطلب صيانة منتظمة وسقياً وعناية بالأشجار والنباتات وتجديداً للمرافق وتدبيراً مهنياً لهذه المساحات.

وتأتي قضية حديقة محمد الخامس، التي أثارت بدورها انتقادات وتساؤلات بسبب طول مدة أشغال إعادة تأهيلها، لتعيد إلى الواجهة السؤال حول الطريقة التي تتم بها متابعة المشاريع والفضاءات العمومية، وحول مدى قدرة المؤسسات المسؤولة على ضمان تنفيذ الأوراش وفق الآجال والمواصفات المحددة.

فليس المطلوب فقط إطلاق مشاريع التأهيل، وإنما ضمان استمرارها وفتحها أمام المواطنين في آجال معقولة، مع الحفاظ على قيمتها البيئية والجمالية والتاريخية.

الإنارة العمومية.. خدمة لا تحتمل الانتظار

الإنارة العمومية بدورها تدخل ضمن الخدمات التي ترتبط بشكل مباشر بأمن المواطنين وبجودة الحياة داخل الأحياء والشوارع.

وأي اختلال في هذا المجال، سواء تعلق بالأعطاب أو ضعف الصيانة أو تأخر التدخل، ينعكس على صورة المدينة وعلى إحساس السكان بالأمان، خصوصاً في المناطق التي تعرف حركة ليلية أو توجد بها مرافق عمومية وتجارية.

ومن هنا، فإن المجلس الجماعي مطالب بتقديم رؤية واضحة بشأن وضعية شبكة الإنارة العمومية، وحجم التدخلات المنجزة، وآجال إصلاح الأعطاب، وكيفية مراقبة الشركات أو الجهات المكلفة بالصيانة، بدل أن يظل المواطن مضطراً إلى تقديم الشكايات المتكررة بشأن المصابيح المعطلة وانتظار تدخل قد يتأخر.

أوراش متعثرة وأسئلة حول الحكامة

إلى جانب الخدمات اليومية، تواجه الجديدة سؤالاً آخر يتعلق بتعثر عدد من الأوراش والمشاريع، وهي قضية لا يمكن فصلها عن طريقة التخطيط والتتبع والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

فالمدينة التي تستقبل أعداداً متزايدة من الزوار وتطمح إلى تعزيز موقعها السياحي تحتاج إلى تسريع مشاريع التأهيل، وليس فقط الإعلان عنها.

كما تحتاج إلى تنسيق مؤسساتي فعال بين الجماعة والسلطات الترابية والمجالس المنتخبة وباقي المؤسسات العمومية، حتى لا تتحول المشاريع إلى أوراش مفتوحة لفترات طويلة، أو إلى مواقع مغلقة تنتظر نهاية غير واضحة.

ومن حق الرأي العام المحلي أن يعرف آجال الإنجاز، وكلفة المشاريع، والجهات المكلفة بها، ونسب تقدم الأشغال، وأسباب أي تأخير، والإجراءات المتخذة لتداركه.

تدخل السلطات.. عندما تصبح الخدمات أولوية استعجالية

في هذا السياق، تبدو الحاجة قائمة إلى تعزيز التنسيق بين السلطات الترابية والمجلس الجماعي وباقي المؤسسات المتدخلة في تدبير المدينة، خصوصاً في الملفات التي تتعلق مباشرة بالحياة اليومية للسكان.

ولا يعني ذلك سحب اختصاصات المجلس الجماعي، وإنما تفعيل آليات التنسيق والتتبع التي يسمح بها الإطار القانوني، خصوصاً عندما تتطلب بعض الملفات تدخلاً استعجالياً أو تنسيقاً بين أكثر من مؤسسة.

كما أن إطلاق شركة التنمية المحلية للنقل العمومي يمكن أن يكون مناسبة لإعادة النظر في نموذج تدبير عدد من القطاعات ذات الطبيعة التقنية، شريطة أن يتم ذلك وفق دراسات دقيقة وأهداف قابلة للقياس وحكامة شفافة وربط واضح للمسؤولية بالنتائج.

فالشركة المحلية ليست حلاً سحرياً، ولن تكون ناجحة إلا إذا توفرت لها الحكامة والموارد والكفاءات وآليات التقييم والمراقبة.

المطلوب ليس تغيير الواجهة وإنما تغيير طريقة التدبير

تحتاج الجديدة اليوم إلى أكثر من دورة استثنائية.

إنها تحتاج إلى مراجعة عميقة لطريقة تدبير الخدمات الأساسية، وإلى تحديد الأولويات وربطها بجدول زمني واضح، وإلى تقييم حقيقي لما أنجزه المجلس خلال المرحلة الحالية.

فالساكنة تريد مدينة نظيفة، وحدائق صالحة للاستعمال، وشوارع مضاءة، ونقلاً عمومياً محترماً، ومشاريع تنجز في آجالها، ومرافق عمومية تشتغل بكفاءة.

وهي مطالب لا تحتاج إلى قرارات استثنائية بقدر ما تحتاج إلى تدبير يومي صارم ومستمر.

ومن هنا، فإن الدورة المرتقبة في 3 شتنبر ينبغي ألا تتحول فقط إلى مناسبة للمصادقة على إحداث شركة جديدة، وإنما إلى فرصة لفتح نقاش صريح حول الوضع العام للمدينة، وحول أسباب تعثر بعض الأوراش، ومستوى الخدمات الجماعية، وكيفية استعادة المجلس لدوره الكامل في تدبير الشأن المحلي.

شركة التنمية المحلية.. هل تكون بداية التصحيح؟

قد تشكل شركة «الجديدة الكبرى للنقل العمومي» بداية لتحول في طريقة تدبير بعض القطاعات، لكن نجاح هذه التجربة سيظل مرتبطاً بقدرتها على تقديم نتائج ملموسة للمواطنين.

وفي المقابل، فإن باقي الملفات ستظل قائمة أمام المجلس: النظافة، المساحات الخضراء، الإنارة العمومية، صيانة الطرق، تنظيم الفضاء العام، وتتبع المشاريع والأوراش.

وهذه كلها ملفات لا يمكن ترحيلها إلى المستقبل.

فالجديدة تعيش مرحلة مهمة من تاريخها، بعدما أصبحت السياحة تشكل أحد محركاتها الأساسية، وبعدما أظهرت المدينة خلال الموسم الصيفي قدرتها على استقبال أعداد كبيرة من الزوار. وهذا التحول يفرض على مؤسساتها المنتخبة أن تواكب حجم الانتظارات وأن تقدم خدمات تتناسب مع مكانة المدينة ومؤهلاتها.

الجديدة تحتاج إلى قرار واضح

إن الرهان اليوم ليس على دورة استثنائية واحدة، ولا على شركة واحدة، وإنما على إعادة الاعتبار لفكرة التدبير العمومي الفعال.

وعندما تصبح النظافة موضوعاً دائماً للشكوى، والمساحات الخضراء في حاجة إلى عناية مستمرة، والإنارة العمومية تحتاج إلى تدخلات متكررة، وبعض الأوراش تعرف تأخراً، فإن السؤال المشروع الذي يطرحه المواطن هو: من يتحمل مسؤولية المتابعة اليومية لهذه الخدمات؟

المجلس الجماعي يظل مؤسسة منتخبة تتمتع باختصاصات واضحة، ومن واجبه أن يقدم الحساب السياسي والإداري عن طريقة ممارسته لهذه الاختصاصات أمام السكان.

وفي المقابل، فإن السلطات الترابية مطالبة، في حدود اختصاصاتها القانونية، بمواصلة التتبع والتنسيق والتدخل عندما تفرض المصلحة العامة ذلك، خصوصاً في الملفات التي أصبحت لها انعكاسات مباشرة على صورة المدينة وعلى جودة حياة سكانها.

ولهذا، فإن دورة 3 شتنبر ينبغي أن تكون أكثر من محطة إجرائية للمصادقة على أربع نقاط؛ فهي مناسبة لطرح سؤال جوهري حول مستقبل تدبير الجديدة، وحول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد انتقالاً حقيقياً من تدبير الملفات بمنطق رد الفعل إلى تدبير استباقي يقوم على التخطيط والمراقبة والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالجديدة لا تحتاج إلى مزيد من الانتظار، ولا إلى مشاريع تبقى مفتوحة دون نهاية واضحة، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تقوم بأدوارها كاملة، وإلى خدمات يومية تليق بسكانها وزوارها، وإلى حكامة قادرة على تحويل مؤهلات المدينة إلى واقع ملموس.

وفي مقدمة ذلك، يبقى النقل والنظافة والإنارة والمساحات الخضراء وجودة الفضاء العمومي اختبارات يومية حقيقية لأي تدبير جماعي، لأن المواطن لا يحكم على المؤسسات من خلال البلاغات والوعود، وإنما من خلال ما يراه كل صباح في الشارع الذي يعيش فيه.

About The Author