وهبي وزير العدل يُفحم الإسبان.. خرجة واحدة تعيد سبتة ومليلية إلى صدارة المواجهة السياسية بين الرباط ومدريد
لم تكن تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي بشأن سبتة ومليلية مجرد خرجة سياسية عابرة، بل تحولت خلال ساعات إلى نقطة ارتكاز في نقاش مغربي إسباني واسع، بعدما أعاد الوزير إلى الواجهة ملفاً ظل طويلاً من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين الرباط ومدريد.
ففي وقت كانت فيه إسبانيا منشغلة بتداعيات أزمة الهجرة الأخيرة بسبتة، وبالتحركات المرتقبة على الحدود، خرج وهبي ليؤكد أن المغرب لم يتخل يوماً عن مطالبته بسبتة ومليلية، وأن المدينتين تظلان، بالنسبة إلى الرباط، جزءاً من الملفات التي ينبغي أن تجد طريقها إلى الحوار والتفاوض.
التصريح كان كافياً لإعادة ترتيب الأولويات داخل مدريد. فبدل أن يبقى النقاش محصوراً في الهجرة والحدود والإجراءات الأمنية، وجدت الحكومة الإسبانية نفسها أمام سؤال سياسي أكبر يتعلق بمستقبل المدينتين وموقف المغرب من وضعهما.
وهبي يفتح الملف الذي لا تريد مدريد فتحه
تكمن قوة خرجة وهبي في أنها لم تقتصر على انتقاد التدبير الإسباني للهجرة، وإنما ربطت بين الملفات العملية المطروحة حالياً وبين القضية السياسية الأوسع.
فالوزير أكد تمسك المغرب بمطلب استرجاع سبتة ومليلية، وهو ما دفع مسؤولين إسبان إلى الخروج تباعاً للتأكيد على أن سيادة بلادهم على المدينتين ليست موضوعاً للتفاوض.
وبذلك انتقل الضغط سريعاً إلى الجانب الإسباني، الذي وجد نفسه مضطراً إلى الرد السياسي المباشر على موقف مغربي واضح.
ولم تتوقف تصريحات مدريد عند الحكومة المركزية، بل امتدت إلى مسؤولين وقطاعات مختلفة، في مشهد يعكس حجم الحساسية التي أثارها فتح هذا الملف في هذا التوقيت بالذات.
من الهجرة إلى التعاون القضائي.. أوراق مغربية متعددة
الأهمية الأخرى في موقف وهبي تكمن في ربطه ملف الهجرة بالتعاون القضائي وبقضية القاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا.
فالمغرب يطالب بإعادة القاصرين المغاربة، في وقت أصبحت فيه هذه القضية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في أعقاب أزمة سبتة الأخيرة. كما أكد وهبي أن الرباط متمسكة بمعالجة الملف في إطار المسؤولية والتعاون بين البلدين.
وهنا تظهر طبيعة المعادلة التي وضعتها الرباط أمام مدريد: المغرب مستعد للتعاون في الملفات الأمنية والإنسانية، لكنه في الوقت نفسه يريد أن تكون لهذا التعاون قواعد واضحة ومتوازنة، وألا يتحول إلى التزام أحادي الجانب.
وهذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في ظل الدور الذي تقوم به السلطات المغربية في مراقبة الحدود ومنع محاولات الهجرة غير النظامية نحو سبتة.
المغرب يتحرك أمنياً.. ومدريد ترفع سقف الخطاب
في الوقت الذي كانت فيه الرباط تعزز حضورها الأمني على الحدود تحسباً لدعوات جديدة لتنظيم محاولات عبور جماعي، كانت مدريد ترفع منسوب تصريحاتها السياسية.
وتكشف هذه المفارقة الكثير عن طبيعة المرحلة الحالية: المغرب يواصل التعاون الأمني لمنع تدفقات المهاجرين وحماية الأرواح، لكنه لا يعتبر هذا التعاون تنازلاً عن مطالبه السياسية.
وفي المقابل، وجدت إسبانيا نفسها مطالبة بالدفاع عن موقفها من سبتة ومليلية في كل مناسبة تقريباً.
بل إن الردود الإسبانية تحولت إلى سلسلة من التصريحات المتتالية، في محاولة واضحة لتأكيد أن المدينتين جزء من الأراضي الإسبانية، وأن مدريد لا تقبل إدراجهما ضمن أي تفاوض حول السيادة.
زيارة وزيرة الدفاع.. رسائل سياسية أكثر منها أمنية
وفي سياق هذا التصعيد السياسي، برزت زيارة وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس إلى سبتة، حيث أكدت أن المدينتين جزء من إسبانيا، وشددت على أن أي اعتداء عليهما سيُنظر إليه باعتباره اعتداءً على إسبانيا.
الزيارة حملت رسائل متعددة، لكنها في جوهرها عكست حجم الارتباك السياسي الذي أحدثته إعادة طرح القضية المغربية لسبتة ومليلية في هذا الظرف.
فالمغرب لم يعلن عن تحرك عسكري، ولم يذهب إلى مواجهة مفتوحة، وإنما أعاد التأكيد على موقف سياسي معروف، تاركاً للجانب الإسباني مهمة الرد والدفاع عن الوضع القائم.
وهنا تكمن المفارقة: تصريح سياسي مغربي أعاد مسؤولين إسبان إلى سبتة وإلى واجهة الإعلام من أجل التأكيد على أمر كانت مدريد تعتبره محسومًا.
الرباط تشتغل بهدوء
المشهد الحالي يكشف مرة أخرى أن إدارة المغرب لهذا النوع من الملفات تقوم على تعدد الأوراق وعدم حصر العلاقة في ملف واحد.
ففي الوقت الذي تتعامل فيه الأجهزة المغربية مع الهجرة باعتبارها مسؤولية أمنية وإنسانية، يظل ملف سبتة ومليلية حاضراً في الموقف السياسي المغربي.
كما أن الرباط لا تبدو راغبة في تحويل الخلاف إلى أزمة مفتوحة مع مدريد، خصوصاً أن البلدين تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية وتجارية واسعة.
لكن التعاون لا يعني، وفق الرسالة التي حملتها تصريحات وهبي، إسقاط الملفات التاريخية من جدول الأعمال.
وهذا تحديداً ما جعل التصريح يكتسب كل هذه الأهمية.
سبتة ومليلية.. ملف مؤجل وليس منتهياً
من الناحية السياسية، فإن قضية سبتة ومليلية ليست وليدة الأزمة الحالية، كما أن الموقف المغربي بشأنهما لم يبدأ مع تصريحات وهبي.
غير أن الجديد هو أن الملف عاد إلى الواجهة في لحظة دقيقة تتقاطع فيها أزمة الهجرة مع التعاون الأمني والقضائي والعلاقات الثنائية.
وهبي وضع المسألة بوضوح أمام الرأي العام: المغرب لم يتخل عن مطالبته بالمدينتين، والحل النهائي، من وجهة نظر الرباط، لا يمكن أن يظل مؤجلاً إلى ما لا نهاية.
أما مدريد، فتتمسك في المقابل بموقف معاكس تماماً وترفض إدراج السيادة على المدينتين في أي تفاوض.
وبين الموقفين، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من النقاش السياسي، خصوصاً إذا استمرت أزمة الهجرة في الضغط على العلاقات الثنائية.
خرجة وزير واحد أربكت المشهد
قد تكون أهم دلالة في التطورات الأخيرة أن المغرب لم يحتج إلى حملة سياسية واسعة لإعادة سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش.
تصريح واحد من وزير العدل كان كافياً لفتح الباب أمام سلسلة من الردود الإسبانية، من الحكومة إلى الخارجية ثم وزارة الدفاع، وهو ما يؤكد حساسية الملف بالنسبة إلى مدريد.
وفي المقابل، واصلت الرباط عملها الميداني في هدوء، عبر تعزيز مراقبة الحدود والاستعداد للتعامل مع أي محاولات جديدة للهجرة غير النظامية، مع استمرار التأكيد على التعاون الأمني مع إسبانيا.
وهكذا بدا المشهد وكأن المغرب يشتغل على أكثر من مسار في الوقت نفسه: أمنياً يمنع تدفقات الهجرة، ودبلوماسياً يحافظ على قنوات الحوار، وسياسياً يؤكد أن قضية سبتة ومليلية لم تُغلق.
أما إسبانيا، فقد وجدت نفسها أمام اختبار مزدوج: حماية مصالحها الأمنية في المدينتين، والرد على عودة مطلب مغربي تعتبره من أكثر الملفات حساسية.
وفي نهاية المطاف، فإن تصريحات عبد اللطيف وهبي أعادت تذكير مدريد بأن سبتة ومليلية، مهما طال الزمن، تظلان في صلب الرؤية المغربية للعلاقات مع إسبانيا.
فالمغرب، الذي يواصل التعاون الأمني لمنع الهجرة وحماية الحدود، لا يرى في ذلك تخلياً عن مطالبه السياسية.
ومن هنا جاءت قوة الرسالة: التعاون الأمني شيء، والملفات السيادية شيء آخر.
وبينما اختارت مدريد رفع صوتها للتأكيد على موقفها، يواصل المغرب الاشتغال بهدوء، تاركاً للزمن والدبلوماسية والحوار مهمة معالجة ملف تعتبره الرباط من بقايا الماضي الاستعماري، وتؤكد أن تسويته السياسية ستظل مطروحة عاجلاً أو آجلاً.
