الجديدة تعيد ترتيب أوراشها الكبرى.. سيدي صالح داحا يضع التأهيل الحضري والطرق والبنيات التحتية في صلب التدبير الترابي
لم يعد تقييم الدينامية التي يعرفها إقليم الجديدة مرتبطاً بموسم الاصطياف الذي انتهى، ولا بحجم التدفقات السياحية التي عرفتها المدن والمراكز الساحلية خلال الأشهر الماضية، وإنما بات يرتبط أساساً بما يجري داخل الإقليم من أوراش هيكلية تمس الطرق والبنيات التحتية والتأهيل الحضري وتحسين جاذبية المجال وتقليص الفوارق بين مختلف مكوناته.
وفي هذا السياق، برز خلال الأشهر الماضية حضور عامل إقليم الجديدة، سيدي صالح داحا، في عدد من الملفات التنموية الكبرى، من خلال اعتماد المتابعة الميدانية والتنسيق بين المؤسسات والضغط من أجل تسريع المشاريع التي يفترض أن تحدث تغييراً ملموساً في المشهد الحضري والطرقي للإقليم.
وتكشف المعطيات المتوفرة أن المقاربة المعتمدة لا تقتصر على إطلاق المشاريع أو تدشينها، بل تمتد إلى تتبع مستوى الإنجاز، والوقوف على الاختلالات، والدفع نحو تصحيحها، وهو ما ظهر بشكل واضح في ملف تهيئة شارع جبران خليل جبران بمدينة الجديدة.
جبران خليل جبران.. اختبار حقيقي للحكامة في المشاريع العمومية
يعد مشروع تهيئة شارع جبران خليل جبران أحد أبرز الأوراش الحضرية بمدينة الجديدة، بالنظر إلى موقعه وأهميته بالنسبة إلى حركة السير والربط بين عدد من الأحياء والمحاور الرئيسية.
المشروع، الذي يندرج ضمن شراكة تجمع مجلس جهة الدار البيضاء–سطات وعمالة إقليم الجديدة وجماعة الجديدة والمكتب الشريف للفوسفاط، يشمل أشغالاً متعددة من بينها تهيئة الطريق، والتبليط، وقنوات صرف مياه الأمطار، والإنارة العمومية، والتشوير والتهيئة الخضراء.
غير أن الورش واجه خلال مراحل إنجازه انتقادات مرتبطة بالتأخر وبعض الملاحظات التقنية، وهو ما دفع إلى تحرك ميداني في يناير الماضي شارك فيه عامل الإقليم إلى جانب رئيس الجهة ورئيس جماعة الجديدة والمسؤولين التقنيين.
واللافت أن الأمر لم يتوقف عند المعاينة الميدانية، إذ أعلنت جهة الدار البيضاء–سطات، عقب الزيارة، عن إيفاد لجنة افتحاص متخصصة للتحقق من سلامة تنفيذ المشروع ومدى احترام بنود دفتر التحملات، وانتهت اللجنة إلى رفع توصيات تقنية وتنظيمية إلى رئيس الجهة وعامل الإقليم.
وهنا تبرز إحدى أهم سمات التدبير الترابي الجديد بالإقليم: المشروع العمومي لا ينبغي أن يُقاس فقط بالاعتمادات المالية المرصودة له، وإنما بجودة الأشغال واحترام الآجال وقدرته على تقديم خدمة حقيقية للمواطنين.
الطرق.. فك العزلة يتحول إلى أولوية إقليمية
على مستوى البنيات الطرقية، تتجه الأنظار إلى مجموعة من الأوراش التي من شأنها تعزيز الربط بين الجديدة ومختلف المراكز والجماعات التابعة للإقليم.
ومن أبرز المشاريع التي تم إطلاقها خلال السنة الجارية، أشغال تثنية الطريق الوطنية رقم 7 على مستوى المقطع الرابط بين مركز سيدي إسماعيل وحدود إقليم سيدي بنور، على مسافة أربعة كيلومترات.
ولا تكتسي هذه العملية أهميتها من الجانب التقني فقط، بل من موقعها في شبكة الربط بين الجديدة وسيدي بنور والمجالات القروية المحيطة، بما يمكن أن ينعكس على حركة السكان والمنتجات الفلاحية والنشاط الاقتصادي.
وتأتي هذه المشاريع في سياق توجه نحو جعل تحسين الشبكة الطرقية مدخلاً أساسياً للتنمية، خصوصاً في إقليم تتعايش فيه مراكز حضرية كبرى مع جماعات قروية واسعة، ما يجعل جودة الطرق عاملاً حاسماً في الولوج إلى الخدمات والأسواق والمدارس والمراكز الصحية.
وفي المقابل، لا تزال بعض المحاور تحتاج إلى مزيد من التدخل، وهو ما تؤكده حتى المعطيات البرلمانية، ومنها وضعية الطريق الإقليمية رقم 3418 بجماعة أولاد عيسى، التي طرحت بشأنها أسئلة حول مآل دراسات التوسعة والتقوية وآجال إنجاز الأشغال.
وهذا يعني أن الرهان أمام السلطات الإقليمية لا يتعلق فقط بإطلاق مشاريع جديدة، بل أيضاً بتسريع المشاريع المتأخرة، وتتبع جودة التنفيذ، وربط مختلف الجماعات بشبكة طرقية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها الإقليم.
أكثر من مليار و200 مليون درهم لإعادة تشكيل “الجديدة الكبرى”
ولعل التطور الأكثر أهمية في المشهد التنموي الحالي يتمثل في مشروع “الجديدة الكبرى”، الذي يتجاوز الغلاف المالي المتداول بشأنه 1.2 مليار درهم.
ويستهدف هذا الورش الواسع مجموعة من المجالات الحضرية والساحلية التابعة للجديدة ومولاي عبد الله والحوزية وأزمور، من خلال اتفاقية شراكة متعددة الأطراف تروم إعادة تأهيل الفضاءات الحضرية والساحلية، وتحسين جاذبية المنطقة اقتصادياً وسياحياً، وتهيئة المناطق السياحية والكورنيش، إلى جانب مشاريع مرتبطة بالتنمية الاقتصادية والسياحية.
وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه يتجاوز منطق التدخل في شارع أو حي أو جماعة واحدة، ليتجه نحو تصور أوسع للمجال تحت مفهوم “الجديدة الكبرى”.
وهذا التحول في طريقة التفكير التنموي مهم للغاية، لأن التحدي الذي تواجهه الجديدة اليوم لم يعد مقتصراً على تحسين مركز المدينة، وإنما أصبح مرتبطاً ببناء مجال ترابي متكامل يجمع الجديدة وأزمور والحوزية ومولاي عبد الله، ويستفيد من الإمكانات الاقتصادية والسياحية والصناعية التي تتوفر عليها المنطقة.
التأهيل الحضري.. من تجميل المدينة إلى تحسين شروط العيش
التأهيل الحضري الذي يجري الاشتغال عليه لا يتعلق فقط بتعبيد الطرق أو طلاء الواجهات، وإنما يرتبط بمنظومة متكاملة تشمل الإنارة، والأرصفة، وتصريف مياه الأمطار، والتشوير، والمساحات الخضراء، وتنظيم حركة السير، وتحسين جمالية الفضاءات.
وهذه المقاربة ظهرت بوضوح في مشروع شارع جبران خليل جبران، الذي يجمع بين الطريق والتشوير والتبليط والتطهير والإنارة والمساحات الخضراء.
كما أن عدداً من الاتفاقيات والبرامج السابقة بالإقليم تتجه نحو فك العزلة عن بعض الدواوير، وتحسين الولوج إلى المناطق الصناعية، وتطوير شبكة الطرق والتطهير والإنارة العمومية والأرصفة.
وبذلك يصبح التأهيل الحضري جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى جعل البنية التحتية أداة لخدمة الاقتصاد المحلي وتحسين جودة الحياة، وليس مجرد واجهة جمالية.
سيدي صالح داحا.. الرهان على التتبع بدل الاكتفاء بالتدشين
من أبرز ما يميز المرحلة الحالية حضور العامل في عدد من الأوراش ميدانياً.
ففي يناير الماضي، لم يقتصر الأمر على زيارة بروتوكولية لمشروع جبران خليل جبران، بل رافق ذلك الوقوف على مستوى تقدم الأشغال، ثم فتح المجال أمام افتحاص تقني مستقل عقب تسجيل ملاحظات حول المشروع.
كما شملت الزيارات الميدانية مشاريع أخرى بالإقليم، في إطار تتبع برامج التنمية الجهوية، وهو ما يعكس أهمية التنسيق بين عمالة الإقليم ومجلس الجهة والوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع والجماعات الترابية وباقي المؤسسات العمومية.
وهذه النقطة بالذات تكتسي أهمية في تدبير المشاريع العمومية، لأن تعدد المتدخلين غالباً ما يؤدي إلى تداخل المسؤوليات وتأخر القرارات، بينما يتطلب إنجاز الأوراش الكبرى وجود جهة قادرة على جمع المتدخلين حول أجندة واحدة وتتبع الالتزامات.
البنيات التحتية الاجتماعية.. التنمية لا تتوقف عند الإسفلت
الدينامية الحالية بالإقليم لا تنحصر في الطرق والتأهيل الحضري.
فخلال الاحتفال بعيد العرش في يوليوز الماضي، أشرف عامل الإقليم على إطلاق وتدشين مجموعة من المشاريع التنموية والاجتماعية التي تستهدف تعزيز البنيات التحتية وتحسين الخدمات ودعم الفئات الهشة.
وتعكس هذه المشاريع اتجاهاً نحو الجمع بين الاستثمار في المجال المادي، من طرق وتهيئة وتجهيزات، وبين الاستثمار في الخدمات الاجتماعية، باعتبار أن التنمية الترابية لا يمكن أن تقاس فقط بحجم الأوراش الإسمنتية، وإنما بمدى انعكاسها على حياة السكان.
كما أن عدداً من الجماعات القروية بالإقليم تحتاج إلى مواصلة جهود فك العزلة، وتوسيع الولوج إلى الماء الصالح للشرب، والنقل المدرسي والإنارة والخدمات الأساسية، وهي ملفات تتطلب استمرار التنسيق بين السلطات الإقليمية والجماعات والجهة وباقي المؤسسات.
الجديدة أمام مرحلة مختلفة
المؤشرات المتوفرة اليوم تسمح بقراءة مختلفة لعمل الإدارة الترابية بإقليم الجديدة.
فبعد مرحلة كان فيها النقاش المحلي يتركز في كثير من الأحيان على مشاكل يومية متفرقة، تتجه الأجندة الحالية نحو مشاريع أكثر ارتباطاً بالبنية الهيكلية للإقليم: الطرق، التأهيل الحضري، الواجهة الساحلية، الربط بين المراكز، فك العزلة، وتحسين جاذبية المجال للاستثمار والسياحة.
وفي قلب هذه الدينامية يبرز دور العامل باعتباره ممثل السلطة المركزية والمنسق بين مختلف المتدخلين، لكن نجاح هذه المرحلة سيبقى مرتبطاً بعامل أساسي: الانتقال من المشاريع المبرمجة إلى المشاريع المنجزة فعلياً وفق الجودة والآجال المحددة.
وهنا تحديداً سيكون ملف جبران خليل جبران اختباراً مهماً، كما ستكون المشاريع المرتبطة بـ”الجديدة الكبرى” اختباراً أكبر، بالنظر إلى حجم الاعتمادات المالية وتعدد المؤسسات والشركاء.
فالمطلوب اليوم ليس فقط أن تتحرك الأوراش، وإنما أن يشعر المواطن بأن هذه الأوراش غيرت فعلاً وجه المدينة والإقليم، وأن الطريق أصبح أكثر أمناً، والتنقل أكثر سهولة، والفضاء الحضري أكثر تنظيماً، والخدمات أقرب، والاستثمار أكثر جاذبية.
رهان المرحلة المقبلة: النتائج لا الصور
إذا كان سيدي صالح داحا قد اختار، منذ توليه مسؤولية إقليم الجديدة، الحضور الميداني وتتبع الملفات، فإن المرحلة المقبلة ستكون أكثر حساسية، لأنها ستضع هذه المقاربة أمام امتحان النتائج.
فالإقليم يتوفر على مؤهلات اقتصادية وصناعية وفلاحية وسياحية كبيرة، ويحتضن أحد أهم الأقطاب الصناعية بالمملكة، كما يمتلك واجهة بحرية ومؤهلات سياحية مهمة، وهو ما يجعل الحاجة إلى بنية تحتية حديثة ومتكاملة أمراً يتجاوز تحسين صورة المدن إلى دعم تنافسية الإقليم بأكمله.
وبالتالي، فإن المعركة الحقيقية ليست معركة تدشينات، وإنما معركة إنجاز.
إنجاز طرق بجودة عالية، وتسريع المشاريع المتعثرة، ومواكبة الجماعات القروية، وتحسين المداخل والمحاور الرئيسية، وإعادة تأهيل الفضاءات الحضرية، وربط التنمية الاقتصادية بالتجهيزات الأساسية، وضمان أن تتحول الاعتمادات المالية الكبرى إلى مشاريع يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية.
وهذا هو الرهان الذي يضعه إقليم الجديدة أمام عامل الإقليم سيدي صالح داحا: تحويل الدينامية الميدانية إلى تحول ترابي دائم، يجعل من الجديدة الكبرى مجالاً أكثر تنظيماً وجاذبية وقدرة على استقبال الاستثمار والسكان والزوار، ويعيد توزيع ثمار التنمية على مختلف مكونات الإقليم.
فإذا كانت مرحلة الصيف قد اختبرت قدرة الإقليم على تدبير الضغط الاستثنائي، فإن مرحلة ما بعد الصيف تختبر قدرته على البناء؛ والبناء هنا يبدأ من الطريق، ويمر عبر التأهيل الحضري والبنية التحتية والخدمات، وينتهي بتنمية ترابية يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.
