المجلس الإقليمي للجديدة بين منطق الإشادة والانتقاد.. هل تكشف دورة يونيو أعطاب الحكامة الترابية بالإقليم؟
جديدتي 9 يونيو 2026
أعادت أشغال دورة يونيو العادية للمجلس الإقليمي للجديدة النقاش إلى الواجهة حول واقع التدبير الترابي بالإقليم، بعدما أثارت تصريحات رئيس المجلس الإقليمي، محمد زاهيدي، بشأن تفاوت مستوى العناية بالنظافة والاستعدادات لموسم الاصطياف بين بعض الجماعات الترابية، تساؤلات سياسية وتنموية تتجاوز مضمون التصريحات في حد ذاتها لتلامس طبيعة الأداء المؤسساتي وآليات تقييم العمل الجماعي بالإقليم.
فخلال مناقشة الاستعدادات الخاصة بموسم الصيف، أشاد رئيس المجلس الإقليمي بالمجهودات التي تبذلها جماعة الحوزية في مجال النظافة والتهيئة، قبل أن يوجه ملاحظة مباشرة إلى جماعة مولاي عبد الله داعياً إلى بذل مزيد من الجهود لتحسين وضعية النظافة والطرق. ورغم أن الأمر قد يبدو في ظاهره مجرد تقييم إداري لأوضاع ميدانية مختلفة، إلا أن السياق العام الذي تعيشه الساحة السياسية بالإقليم جعل هذه التصريحات تثير نقاشاً أوسع حول معايير التقييم وضرورة الحفاظ على الحياد المؤسساتي في الخطاب العمومي.
غير أن جوهر النقاش لا يكمن فقط في الإشادة بهذه الجماعة أو انتقاد تلك، بل في الأسئلة المرتبطة بالحصيلة العامة للتدبير الترابي بالإقليم، خاصة وأن الجديدة تمتلك من المؤهلات الاقتصادية والسياحية والفلاحية والصناعية ما يؤهلها لتكون من بين الأقاليم الرائدة وطنياً في مجال التنمية المحلية.
ويعتبر إقليم الجديدة من الأقطاب الاقتصادية المهمة بالمملكة، بالنظر إلى احتضانه لمنطقة الجرف الأصفر الصناعية، وتوفره على واجهة بحرية ممتدة ومؤهلات سياحية متنوعة، فضلاً عن مكانته الفلاحية ودوره الاقتصادي داخل جهة الدار البيضاء ـ سطات. إلا أن هذه الإمكانيات الكبيرة لا تنعكس دائماً بالوتيرة المطلوبة على مستوى جودة الخدمات والمرافق العمومية والبنيات التحتية المحلية، وهو ما يطرح تساؤلات متزايدة حول فعالية السياسات الترابية المعتمدة خلال السنوات الماضية.
وتشير العديد من الملفات التي ما تزال عالقة بالإقليم إلى وجود اختلالات في تدبير الزمن التنموي، حيث لا تزال بعض المشاريع العمومية التي استكملت أشغالها تنتظر دخولها الفعلي إلى الخدمة، فيما تستمر مطالب الساكنة المرتبطة بالنظافة والتهيئة والبنيات التحتية وتحسين الخدمات الأساسية في عدد من الجماعات.
وفي هذا السياق، يرى متابعون للشأن المحلي أن النقاش الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح داخل المؤسسات المنتخبة لا يتعلق فقط بمقارنة أداء جماعة بأخرى، وإنما بتقييم شامل لمستوى الإنجاز التنموي بالإقليم، ومدى قدرة المجالس المنتخبة على مواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة في مجالات الحكامة الترابية والاستثمار والبنيات التحتية والخدمات العمومية.
كما أن المواطن أصبح اليوم أكثر اهتماماً بالنتائج الملموسة من اهتمامه بالسجالات السياسية أو التراشق غير المباشر بين الفاعلين المحليين. فانتظارات الساكنة تتركز أساساً على تحسين ظروف العيش، وتسريع إنجاز المشاريع، وتأهيل المراكز الحضرية والقروية، وتطوير الخدمات العمومية، وخلق فرص الشغل، واستثمار المؤهلات الطبيعية والاقتصادية التي يزخر بها الإقليم.
ومن جهة أخرى، تبرز أهمية ترسيخ معايير موضوعية وواضحة في تقييم أداء الجماعات الترابية، تقوم على مؤشرات قابلة للقياس ترتبط بمستوى الإنجاز وجودة الخدمات وحسن تدبير الموارد المالية والقدرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين، بعيداً عن أي اعتبارات قد تفتح الباب أمام التأويلات السياسية أو الحزبية.
وتطرح دورة يونيو للمجلس الإقليمي للجديدة، من هذه الزاوية، فرصة لإعادة فتح النقاش حول حصيلة العمل الترابي بالإقليم برمته، ومدى نجاح مختلف المتدخلين في تحويل الإمكانيات المتاحة إلى مشاريع تنموية ملموسة. فالإشكال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بمستوى النظافة أو الاستعدادات الموسمية، بل بقدرة المنظومة المحلية ككل على إنتاج تنمية متوازنة ومستدامة تستجيب لتطلعات الساكنة.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها المملكة، تبدو الحاجة ملحة إلى تجديد آليات التدبير المحلي وتعزيز ثقافة التقييم وربط المسؤولية بالنتائج، بما يضمن تجاوز منطق تدبير اليومي نحو بناء رؤية تنموية أكثر وضوحاً وفعالية. فالجديدة، بما تتوفر عليه من مؤهلات وإمكانات، تستحق نقاشاً عمومياً يركز على المستقبل وعلى سبل معالجة الاختلالات القائمة أكثر مما يركز على تبادل الإشادات أو الانتقادات الظرفية.
ويبقى الرهان الحقيقي أمام المجلس الإقليمي ومختلف الجماعات الترابية بالإقليم هو الانتقال من مرحلة تشخيص الأعطاب إلى مرحلة إنتاج الحلول، ومن منطق تدبير الملفات الآنية إلى منطق التخطيط الاستراتيجي القادر على تحويل مؤهلات الجديدة إلى مكاسب تنموية يشعر بها المواطن في حياته اليومية، ويستعيد من خلالها ثقته في المؤسسات المنتخبة ودورها في خدمة الصالح العام.
