دكالة تستعيد نبضها الفلاحي.. برنامج ضخم لإعادة تأهيل شبكة الري واستئناف السقي بعد سنوات الجفاف
تدخل منطقة دكالة مرحلة جديدة وحاسمة في مسار تدبير الموارد المائية وإعادة إنعاش القطاع الفلاحي، بعد سنوات طويلة من الجفاف أثرت بشكل مباشر على منظومة الري والبنيات التحتية المرتبطة بها، وتسببت في توقف شبه كامل لشبكة السقي منذ يونيو 2020، في واحدة من أصعب الفترات التي عرفها المجال الفلاحي بالمنطقة.
ومع التحسن النسبي الذي سجلته الموارد المائية خلال الفترة الأخيرة، بدأت ملامح الانفراج تظهر تدريجياً، مدفوعة بجهود مؤسساتية وتقنية مكثفة يقودها المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لدكالة، إلى جانب تدخلات السلطات المعنية والشركاء المحليين، في إطار رؤية تهدف إلى إعادة تشغيل شبكة الري بشكل تدريجي وآمن يضمن استدامة الموارد وحماية البنيات التحتية.
سنوات الجفاف تُخلّف تراجعاً كبيراً في البنية المائية
فترة التوقف الطويلة للسقي، التي امتدت لسنوات بسبب ضعف التساقطات المطرية، خلفت تأثيرات عميقة على مختلف مكونات شبكة الري، من قنوات مائية ومنشآت تقنية ومحطات ضخ وتجهيزات توزيع، ما أدى إلى تراجع المساحات المسقية من حوالي 161 ألف هكتار إلى ما يقارب 94 ألف هكتار.
هذا التراجع لم يكن فقط رقماً إحصائياً، بل انعكس بشكل مباشر على النشاط الفلاحي بالمنطقة، وعلى دخل آلاف الفلاحين، وعلى دينامية الاقتصاد القروي الذي يرتكز بشكل أساسي على الفلاحة المسقية.
تعبئة مؤسساتية لإعادة تشغيل الشبكة
في مواجهة هذا الوضع، باشر المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لدكالة سلسلة من التدخلات الميدانية والتقنية، بدأت منذ نونبر 2024، وشملت عمليات تشخيص شاملة لمختلف مكونات الشبكة، بهدف تحديد حجم الأعطاب ووضع أولويات التدخل.
وقد مكنت هذه العملية من إعداد برنامج متكامل لإعادة التأهيل، يشمل إصلاح القنوات والمنشآت المائية، وإعادة تشغيل محطات الضخ، وتعويض التجهيزات المتضررة، في إطار رؤية تقنية دقيقة تستحضر متطلبات السلامة وضمان استمرارية الخدمة.
كما رُصد لهذا الورش غلاف مالي يناهز 70 مليون درهم، مع برمجة اعتمادات إضافية خلال سنة 2026، بهدف تسريع وتيرة الإصلاحات ومواكبة حاجيات إعادة تشغيل الشبكة في ظروف آمنة ومستقرة.
دور السلطات والشركاء في تأمين الانتقال الفلاحي
ولا يمكن فصل هذا الورش عن الدور الذي تضطلع به السلطات المحلية والمصالح المركزية في مواكبة هذا التحول، سواء من خلال التنسيق الميداني أو دعم عمليات التأهيل أو تأمين البنيات المائية من أي اختلالات أو استغلال غير قانوني خلال فترة التوقف.
كما تم تسجيل تعبئة مشتركة بين مختلف المتدخلين لضمان عودة تدريجية ومنظمة لعملية السقي، بما يحافظ على التوازن بين الطلب المتزايد على المياه وضرورة حماية المخزون المائي المتاح، خاصة في ظل التحديات المناخية الراهنة.
التحول نحو الري العصري وترشيد الموارد
وبالتوازي مع عمليات إعادة التأهيل، تتواصل مشاريع التحول نحو أنظمة الري بالتنقيط على مساحة تقارب 24 ألف هكتار، في إطار البرنامج الوطني للاقتصاد في مياه السقي، وهو توجه استراتيجي يهدف إلى ترشيد استهلاك المياه ورفع مردودية الاستغلالات الفلاحية.
ويأتي هذا التوجه انسجاماً مع التحديات المرتبطة بندرة المياه، ومع التحولات المناخية التي تفرض اعتماد تقنيات أكثر نجاعة واستدامة في تدبير الموارد الطبيعية.
تحسن مخزون السدود يعزز التفاؤل
وقد ساهم التحسن النسبي في مخزون السدود الرئيسية، خاصة سدي المسيرة وأحمد الحنصالي، في تعزيز مؤشرات التفاؤل داخل المنطقة، بعد تسجيل ارتفاع ملحوظ في الموارد المائية مقارنة ببداية الموسم الفلاحي، ما فتح الباب أمام إمكانية استئناف تدريجي لعملية السقي.
اختبارات تقنية واستعدادات ميدانية
وفي إطار الاستعدادات الجارية، تم إجراء اختبارات تقنية دقيقة لعدد من محطات الضخ والشبكات المائية، بهدف التأكد من جاهزيتها التشغيلية، إلى جانب معالجة بعض الأضرار التي خلفتها حالات التخريب أو السرقة التي طالت تجهيزات مائية خلال فترة التوقف.
وتؤكد المعطيات المتوفرة أن عملية إعادة التشغيل ستتم بشكل تدريجي ومدروس، يراعي حساسية المرحلة وضرورة الحفاظ على سلامة المنشآت، مع اعتماد مقاربة تقوم على التتبع المستمر والتقييم الميداني.
دكالة أمام مرحلة إعادة الإقلاع
بهذا الورش الكبير، تدخل منطقة دكالة مرحلة جديدة من إعادة الإقلاع الفلاحي، بعد سنوات صعبة طبعتها ندرة المياه وتراجع النشاط الزراعي، في وقت تراهن فيه الدولة والمؤسسات المعنية على إعادة إحياء هذا المجال الحيوي باعتباره أحد أعمدة الأمن الغذائي الوطني.
وبين تحديات المناخ وإكراهات البنية التحتية، تبدو دكالة اليوم أمام فرصة حقيقية لاستعادة ديناميتها الفلاحية، عبر مقاربة جديدة تقوم على الحكامة المائية، وترشيد الموارد، وتعبئة جميع الفاعلين من أجل ضمان استدامة هذا الورش الاستراتيجي.
