هل أصبح تصميم التهيئة عائقا أمام الاستثمار بالجديدة؟ مطالب بمراجعة وثيقة التعمير لإنقاذ جاذبية عاصمة دكالة
جديدتي 14 يوليوز 2026
رغم ما تزخر به مدينة الجديدة من مؤهلات اقتصادية وسياحية واستراتيجية تجعلها من أبرز الأقطاب الصاعدة بالمغرب، عاد تصميم التهيئة ليطرح نفسه كواحد من أكثر الملفات إثارة للنقاش داخل الأوساط الاقتصادية والمهنية، في ظل تزايد الأصوات المطالبة بمراجعته، بعدما اعتبره عدد من المستثمرين والمهنيين غير منسجم مع الدينامية التي تعرفها المدينة، ولا مع التحديات المرتبطة باستقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية.
ويؤكد فاعلون اقتصاديون أن الجديدة تمتلك كل المقومات لتكون قطبا استثماريا من الطراز الأول، فهي تقع على بعد أقل من مائة كيلومتر من الدار البيضاء، وتحتضن المركب الصناعي الضخم للجرف الأصفر، أحد أكبر المنصات الصناعية والمينائية بالمملكة، كما تستفيد من شبكة طرق سيارة وساحل سياحي يمتد لعشرات الكيلومترات، إلى جانب مؤهلات فلاحية وصناعية وسياحية مهمة.
غير أن هذه الإمكانيات، بحسب عدد من المنعشين العقاريين والمستثمرين، لا تنعكس بالشكل المطلوب على حجم المشاريع المنجزة، بسبب ما يعتبرونه تعقيدات مرتبطة بوثيقة التعمير الحالية، التي يصفونها بأنها أصبحت في بعض الحالات عائقا أمام الاستثمار بدل أن تكون أداة لتنظيمه وتوجيهه.
ويرى مهنيون أن عددا من المقتضيات الواردة في تصميم التهيئة، سواء المتعلقة بتقسيم المناطق أو بعلو البنايات أو بطبيعة الاستعمالات المسموح بها، لا تواكب التحولات العمرانية والاقتصادية التي تعرفها المدينة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار العقار وتزايد كلفة الاستثمار، وهو ما يجعل العديد من المشاريع تفقد جدواها الاقتصادية قبل انطلاقها.
كما يشتكي مستثمرون من طول المساطر الإدارية وتعقد إجراءات دراسة الملفات والحصول على التراخيص، معتبرين أن عامل الزمن أصبح عنصرا حاسما في اتخاذ القرار الاستثماري، وأن أي تأخير قد يدفع أصحاب المشاريع إلى تغيير وجهتهم نحو مدن أخرى توفر سرعة أكبر في معالجة الملفات ووضوحا في الرؤية العمرانية.
ويشير متابعون إلى أن مدنا مثل الدار البيضاء ومراكش تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تطوير آليات أكثر مرونة في مواكبة المشاريع الاستثمارية، عبر رقمنة جزء كبير من المساطر، واعتماد مقاربات أكثر دينامية في تدبير التعمير، الأمر الذي عزز جاذبيتها لاستقطاب الرساميل والمشاريع الكبرى.
وفي المقابل، يرى مختصون في مجال التعمير أن وثائق التهيئة تظل ضرورية للحفاظ على التوازن العمراني، وحماية المجال من البناء العشوائي، وضمان احترام المعايير البيئية وجودة العيش، غير أنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن هذه الوثائق ينبغي أن تخضع للمراجعة الدورية حتى تواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وألا تتحول إلى نصوص جامدة تعيق التنمية.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل الأوراش الكبرى التي يشهدها المغرب استعدادا للاستحقاقات الدولية المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، حيث ينتظر أن تستفيد المدن القريبة من الدار البيضاء، ومن بينها الجديدة، من دينامية اقتصادية وسياحية غير مسبوقة، وهو ما يتطلب توفير مناخ استثماري قادر على استقطاب المشاريع وخلق فرص الشغل.
ويطالب عدد من الفاعلين الاقتصاديين بإطلاق حوار موسع يجمع السلطات المختصة والوكالة الحضرية والجماعات الترابية والمهنيين، من أجل تقييم أثر تصميم التهيئة الحالي على الاستثمار، والبحث عن حلول توازن بين متطلبات التنظيم العمراني وتشجيع المبادرة الاقتصادية.
كما يدعو هؤلاء إلى تبسيط المساطر، وتسريع آجال دراسة الملفات، وتحيين بعض المقتضيات التي لم تعد تستجيب لواقع السوق، مع اعتماد رؤية عمرانية مرنة تجعل من التعمير أداة لتحفيز الاستثمار وليس عائقا أمامه.
ويرى مراقبون أن الجديدة تمتلك فرصة تاريخية لتعزيز مكانتها كقطب اقتصادي وسياحي بفضل موقعها الاستراتيجي وقربها من أكبر المراكز الصناعية واللوجستية بالمملكة، غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهينا بوجود وثائق تعمير حديثة، مرنة، ومتوازنة، قادرة على التوفيق بين متطلبات التنمية المستدامة، وحماية المجال، وتشجيع الاستثمار المنتج، بما يضمن للمدينة الاستفادة الكاملة من مؤهلاتها الطبيعية والاقتصادية، ويحولها إلى وجهة أكثر تنافسية في خريطة الاستثمار الوطني.
