محطات الوقود بين الاستثمار وراحة الساكنة… الجديدة تحتاج المشاريع لا الجدل وتوازن التنمية هو الحل
يُعتبر إحداث محطات الوقود داخل المجال الحضري من المشاريع الاقتصادية الحيوية التي تواكب توسع المدن وتزايد حاجيات الساكنة، كما تساهم في تنشيط الاستثمار المحلي وخلق فرص الشغل وتحسين جودة الخدمات الأساسية المرتبطة بالتنقل والاقتصاد اليومي للمواطنين. وفي هذا السياق، تبرز مدينة الجديدة كواحدة من الحواضر التي تعرف دينامية عمرانية وسياحية متسارعة، ما يجعلها في حاجة مستمرة إلى مزيد من المشاريع الاستثمارية، لا إلى تعطيلها أو تأخيرها بسبب بعض الإشكالات المحلية.
غير أن نجاح هذا النوع من المشاريع يظل رهيناً باحترام صارم لمجموعة من الشروط والمعايير، في مقدمتها احترام ضوابط السلامة البيئية، والحفاظ على نظافة المحيط، وضمان الحد الأدنى من الهدوء داخل الأحياء السكنية المجاورة، بما يحقق التوازن بين متطلبات الاستثمار وحق الساكنة في بيئة سليمة وآمنة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التخطيط الحضري المتوازن الذي يراعي القرب المعقول لمثل هذه الخدمات من السكان، مع ضمان عدم تحويلها إلى مصدر إزعاج أو خطر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمحطات الوقود التي تخضع لمعايير تقنية دقيقة تتعلق بالسلامة والوقاية من المخاطر، وهو ما يجعل مسألة المراقبة المستمرة أمراً ضرورياً وليس اختيارياً.
كما أن تقريب الخدمات من المواطنين، بما في ذلك محطات الوقود، يعد من مؤشرات التنمية الحضرية الحديثة، إذ يساهم في تسهيل الحياة اليومية وتقليص المسافات وتحسين جودة الخدمات، غير أن هذا التقريب يجب أن يتم وفق رؤية عمرانية مدروسة تحترم خصوصية الأحياء السكنية والسياحية، مثل منطقة سيدي بوزيد بإقليم الجديدة، التي تجمع بين الطابع السكني والاستثماري والسياحي في آن واحد.
ومن هذا المنظور، فإن النقاش المحلي حول بعض المشاريع يجب أن يُقرأ في إطار أوسع يرتبط بجاذبية الاستثمار بالمنطقة، حيث تحتاج الجديدة اليوم إلى مزيد من المشاريع الاقتصادية والخدماتية التي تعزز ديناميتها التنموية، وتخلق فرص الشغل، وتدعم البنية الاقتصادية المحلية، بدل الانشغال المفرط بالخلافات الجانبية التي قد تُبطئ وتيرة التنمية.
وفي المقابل، يبقى من الضروري التأكيد على أن أي مشروع استثماري، مهما كانت أهميته، يجب أن يحترم شروط العيش الكريم للساكنة، وعلى رأسها النظافة العامة، والهدوء، والسلامة البيئية، وعدم الإضرار بالمحيط السكني، بما يضمن انسجاماً بين النشاط الاقتصادي وجودة الحياة اليومية للمواطنين.
كما أن تعزيز آليات المراقبة والتتبع من طرف السلطات المختصة يظل عنصراً أساسياً لضمان احترام هذه المعايير، وتفادي أي اختلالات محتملة، مع الحرص على التطبيق الصارم للقوانين المنظمة للتعمير والاستثمار والبيئة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الجديدة اليوم في حاجة إلى خطاب تنموي إيجابي يوازن بين حماية الساكنة وتشجيع الاستثمار، لأن التنمية الحقيقية لا تُبنى على الصراع بين الطرفين، بل على التكامل بينهما. فالمستثمر يحتاج إلى بيئة مستقرة وجاذبة، والساكنة تحتاج إلى خدمات حديثة ومشاريع تحترم حقها في الراحة والسكينة.
وبناءً عليه، فإن الأولوية اليوم ليست في تضخيم الخلافات أو تحويل المشاريع الاستثمارية إلى مصدر جدل، بل في تشجيع كل المبادرات التي من شأنها تعزيز البنية الاقتصادية للمدينة، مع العمل في الوقت نفسه على تحسين جودة الحكامة المحلية وتجويد مساطر التعمير والتراخيص.
فالجديدة، بما تزخر به من مؤهلات سياحية واقتصادية وبشرية، تستحق أن تُقارب ملفاتها من زاوية الاستثمار الإيجابي والبناء، بعيداً عن التوتر، وبما يخدم مستقبلها التنموي ويعزز مكانتها كقطب حضري صاعد على الصعيد الوطني.
