لم تكن خسارة المنتخب المغربي أمام فرنسا بهدفين دون رد في ربع نهائي كأس العالم 2026 مجرد خروج من البطولة، بل كانت مباراة كشفت العديد من الاختلالات التي ما تزال تعيق تطور “أسود الأطلس”. فبعيدا عن نتيجة اللقاء، فإن الأداء الذي قدمه المنتخب الوطني أثار الكثير من علامات الاستفهام، بعدما ظهر الفريق عاجزا عن مجاراة النسق الفرنسي، وفقيرا من الناحية الهجومية، وغائبا عن صناعة الفرص، في واحدة من أضعف مبارياته خلال السنوات الأخيرة.
منذ صافرة البداية، فرض المنتخب الفرنسي إيقاعه وسيطر على وسط الميدان، بينما اكتفى المنتخب المغربي بالتراجع إلى الخلف، دون القدرة على بناء الهجمات أو الاحتفاظ بالكرة لفترات طويلة. ولم يشكل الخط الأمامي أي خطورة تذكر، باستثناء فرصة وحيدة سنحت لعز الدين أوناحي، لتبقى تلك المحاولة اليتيمة العنوان الأبرز للعقم الهجومي الذي لازم المنتخب طوال المباراة.
ولم يكن المنتخب الفرنسي بحاجة إلى بذل مجهود استثنائي لتحقيق الفوز، لأن المنتخب المغربي ظهر بلا شخصية واضحة، وبلا حلول تكتيكية، الأمر الذي جعل السيطرة الفرنسية شبه مطلقة في أغلب فترات اللقاء.
مشروع يحتاج إلى مراجعة شاملة
بعيدا عن لغة الانفعال، فإن هذه المباراة أعادت طرح سؤال جوهري حول المشروع الفني للمنتخب الوطني. فبعد أشهر من تولي محمد وهبي المسؤولية، ما يزال المنتخب يبحث عن هويته، ولم ينجح المدرب في تكوين مجموعة مستقرة لها ملامح واضحة داخل أرضية الملعب.
والمفارقة أن وهبي وقع في الخطأ نفسه الذي تعرض بسببه المدرب السابق وليد الركراكي لانتقادات واسعة، والمتمثل في غياب الاستقرار على تشكيلة أساسية، وكثرة التغييرات في الأسماء والمراكز، وهو ما أفقد المنتخب الانسجام المطلوب في المواعيد الكبرى.
فالمنتخبات التي تنافس على الألقاب لا تبنى في أسابيع، ولا تتشكل قبل المباريات الحاسمة، بل تعتمد على مجموعة متجانسة تلعب معا لسنوات، وتعرف بعضها البعض في مختلف الظروف.
قرارات أربكت المنتخب
من أكثر النقاط التي أثارت استغراب الجماهير والمتابعين، إقحام لاعب ظل طوال المنافسات حبيس دكة البدلاء، ولم يسبق له أن خاض أي مباراة رسمية مع المنتخب الوطني، ليجد نفسه فجأة أساسيا أو مشاركا في مباراة بحجم ربع نهائي كأس العالم.
مثل هذه القرارات يصعب تبريرها في بطولة عالمية، لأن مباريات المونديال ليست فضاء لاختبار اللاعبين أو منحهم أول ظهور دولي، وإنما محطة تتطلب لاعبين راكموا التجربة الدولية، وشاركوا في مباريات كبيرة، ويحفظون تفاصيل المنظومة التكتيكية للمنتخب.
وهو ما يؤكد أن المنتخب المغربي لا يزال يفتقد إلى دكة بدلاء جاهزة من الناحية التنافسية، قادرة على تعويض الأساسيين بنفس الجودة.
منتخب لا يُبنى بأحد عشر لاعبا فقط
كشفت مباراة فرنسا أن المنتخب المغربي في حاجة إلى مراجعة فلسفة البناء من جذورها. فنجاح المنتخبات الكبرى لا يقوم على وجود أحد عشر لاعبا مميزا فقط، بل على امتلاك مجموعة كاملة تضم أكثر من عشرين لاعبا جاهزين في أي لحظة، يخوضون المباريات الدولية باستمرار، ويملكون الانسجام نفسه مع المجموعة.
المغرب يحتاج إلى قاعدة ثابتة، وإلى تشكيلة أساسية مستقرة، وإلى دكة احتياط قوية تضم لاعبين تمرسوا مع المنتخب الوطني، حتى لا يتحول كل غياب أو تغيير إلى نقطة ضعف يستغلها المنافس.
كما أن المرحلة المقبلة تستوجب إعادة النظر في طريقة تدبير المباريات الكبرى، لأن الطموحات المغربية تجاوزت منذ سنوات مرحلة المشاركة المشرفة، وأصبحت الجماهير تنتظر منتخبا ينافس على الألقاب، لا منتخبا يكتفي بردة الفعل أمام المنافسين.
بونو… رجل المباراة بلا منازع
ورغم الصورة الباهتة التي ظهر بها المنتخب الوطني، فإن اسما واحدا فرض نفسه نجما فوق الجميع، وهو الحارس ياسين بونو.
الحارس المغربي قدم مباراة بطولية بكل المقاييس، وتصدى لسيل من الهجمات الفرنسية، وأنقذ مرماه من أهداف محققة، وكان سدا منيعا أمام المهاجمين الفرنسيين. كما نجح في التصدي لركلة جزاء نفذها كيليان مبابي، في لقطة أكدت مرة أخرى مكانته بين أفضل حراس العالم.
ولولا تألق بونو، لكانت النتيجة أثقل بكثير، بالنظر إلى الكم الكبير من الفرص التي صنعها المنتخب الفرنسي، والذي وجد في كل مرة حارسا استثنائيا يقف في طريقه.
لقطة إنسانية صنعتها قيمة بونو
ومن أكثر المشاهد التي لفتت الأنظار عقب صافرة النهاية، تلك اللحظة التي انتظر فيها حكام المباراة انتهاء كل المراسم، قبل أن يتوجهوا مباشرة نحو ياسين بونو لتحيته ومعانقته، في لقطة نادرة تعكس حجم الاحترام الذي يحظى به الحارس المغربي داخل الأسرة الكروية الدولية.
ولم يقتصر الأمر على الحكام، بل إن عددا من لاعبي المنتخب الفرنسي توجهوا بدورهم نحو بونو، وحرصوا على مصافحته والإشادة بما قدمه خلال المباراة، بعدما كان اللاعب المغربي الوحيد الذي وقف في وجه المد الهجومي الفرنسي.
لقد غاب المنتخب المغربي عن الموعد، لكن بونو حضر بكل قوة، وأثبت مرة أخرى أن الحارس الكبير يستطيع، بمفرده أحيانا، أن يحافظ على كرامة فريق بأكمله.
رسالة يجب أن تصل
الخروج من كأس العالم ليس نهاية الحلم، لكنه يجب أن يكون بداية لمراجعة صريحة وشجاعة. فالموهبة وحدها لا تكفي، والأسماء الكبيرة لا تصنع منتخبا منافسا إذا غابت الرؤية الفنية والاستقرار والانسجام.
المغرب يمتلك جيلا واعدا ولاعبين محترفين في أكبر الدوريات الأوروبية، لكن ما يحتاجه اليوم هو مشروع كروي واضح، يضمن الاستمرارية، ويؤسس لمنتخب قار، يعرف لاعبوه أدوارهم، وتكون دكة بدلاءه امتدادا طبيعيا للتشكيلة الأساسية.
أما مباراة فرنسا، فقد تركت درسا قاسيا، مفاده أن بلوغ القمة أصعب بكثير من الوصول إليها، وأن الحفاظ على مكانة المنتخب بين كبار العالم يتطلب عملا يوميا، واختيارات دقيقة، وقرارات فنية مدروسة، حتى لا تتكرر ليلة كان عنوانها الأبرز: بونو يقاتل… والمنتخب يغيب.
