مرحلة انتقالية كشفت أعطاب سنوات من التدبير.. أزمة تدبير النفايات بالدار البيضاء تضع دفاتر التحملات وآليات المراقبة تحت المجهر
وجدت مدينة الدار البيضاء نفسها أمام مرحلة انتقالية معقدة في تدبير قطاع النظافة، بعدما رافق انتقال الخدمة إلى الشركات الجديدة ارتباك ميداني انعكس على عدد من الأحياء، خاصة بالمنطقتين الثانية والرابعة، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة إشكالية تتبع تنفيذ عقود التدبير المفوض، وفعالية آليات المراقبة والتقييم خلال السنوات الماضية.
فبدل أن يتم الانتقال بسلاسة بين الشركات المفوض لها تدبير القطاع، شهدت عدد من المقاطعات تراجعا في مستوى الخدمات، نتيجة الصعوبات التي واجهتها الشركات الجديدة عند تسلمها للمعدات والآليات، والتي تبين أن جزءا مهما منها يوجد في وضعية تقنية متدهورة، الأمر الذي فرض تدخلا عاجلا من سلطات ولاية جهة الدار البيضاء-سطات لضمان استمرارية المرفق العمومي.
معدات متهالكة تكشف اختلالات التدبير السابق
بحسب معطيات متطابقة، فإن الشركات الجديدة فوجئت عند تسلمها لمعدات وآليات لا تستجيب في جزء كبير منها للجاهزية المطلوبة، وهو ما أثر بشكل مباشر على انطلاق عمليات جمع النفايات.
وأكد منتخبون بجماعة الدار البيضاء أن عددا من الآليات التي كانت تستغلها الشركة السابقة “أفيردا” كانت تعاني من أعطاب تقنية متراكمة، بسبب غياب الصيانة الدورية المنصوص عليها في دفاتر التحملات، وهو ما جعل المرحلة الانتقالية أكثر تعقيدا، وألقى بظلاله على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويرى متابعون أن هذه الوضعية تطرح تساؤلات حول مدى احترام الالتزامات التعاقدية المتعلقة بصيانة المعدات، كما تفتح باب النقاش بشأن آليات المراقبة التي يفترض أن ترافق تنفيذ عقود التدبير المفوض طيلة مدة سريانها، وليس فقط عند انتهائها.
استبعاد “أفيردا” من الصفقة الجديدة
وجاءت هذه التطورات بعد استبعاد شركة “أفيردا” من طلب العروض الخاص بعقود تدبير قطاع النظافة للفترة الممتدة بين 2026 و2033، وذلك خلال المرحلة الإدارية من مسطرة المنافسة، بسبب عدم استيفاء عدد من الشروط المنصوص عليها في دفتر التحملات، من بينها عدم الإدلاء بالحصيلتين الماليتين لسنتي 2024 و2025، وهو ما حال دون استمرارها ضمن المتنافسين على الصفقة الجديدة.
وباستبعاد الشركة، لم يعد لها سوى عقد واحد لتدبير النفايات على الصعيد الوطني، يتعلق بإقليم النواصر، بعد سنوات من حضورها في عدد من الجماعات الترابية.
الشركات الجديدة أمام تحدي الانطلاقة
أسندت مهمة تدبير القطاع إلى شركتين جديدتين، حيث تتولى شركة “أرما” تدبير المنطقة الثانية، بينما أوكلت مهمة تدبير المنطقة الرابعة إلى شركة “SOS NDD”.
غير أن تأخر استكمال الإجراءات المرتبطة بانتقال العقود، إلى جانب الوضعية التقنية للمعدات، فرض على الشركتين اللجوء إلى حلول استعجالية، شملت استئجار آليات إضافية وتعبئة موارد لوجستيكية مؤقتة لضمان استمرارية الخدمة وعدم توقف عمليات جمع النفايات.
تدخل حاسم لسلطات الولاية
وأمام تزايد شكاوى المواطنين وتراكم النفايات في بعض الأحياء، بادرت سلطات ولاية جهة الدار البيضاء-سطات إلى عقد اجتماع تنسيقي مع مختلف المتدخلين، شددت خلاله على ضرورة التسريع باستعادة نسق الخدمة، مع تعبئة جميع الإمكانيات المتاحة لضمان استمرارية هذا المرفق الحيوي.
وقد مكن هذا التدخل من تسريع وتيرة العمل، حيث باشرت الشركات الجديدة تعزيز أساطيلها وتعبئة فرق ميدانية إضافية، فيما تشير المعطيات إلى أن الوضع بدأ يعرف تحسنا تدريجيا مع استمرار عمليات رفع النفايات وتنظيف الشوارع.
البعد الاجتماعي.. حماية مناصب الشغل
ولم تقتصر الإشكالات على الجانب التقني فقط، بل امتدت إلى الجانب الاجتماعي، بعدما وجد مئات العمال أنفسهم أمام حالة من عدم اليقين عقب انتهاء العقد مع الشركة السابقة.
وفي هذا الإطار، تم اعتماد مقاربة تروم الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، من خلال إلزام الشركات الجديدة بإدماج عمال “أفيردا” مع الحفاظ على حقوقهم ومكتسباتهم، إلى جانب تسوية ملف الأجور المستحقة، بما يضمن استمرارية العمل ويحافظ على الخبرات المهنية داخل القطاع.
تدبير النفايات… رهان يتجاوز جمع الأزبال
ويرى خبراء في تدبير المرافق العمومية أن أزمة الانتقال بين الشركات كشفت الحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة تدبير النفايات بالمغرب، ليس فقط من زاوية جمع النفايات، وإنما من خلال بناء منظومة متكاملة تقوم على الحكامة، والرقمنة، وتتبع تنفيذ العقود، وربط الأداء بمؤشرات دقيقة، مع فرض مراقبة صارمة على احترام دفاتر التحملات طوال مدة العقد.
كما يؤكد المختصون أن تدبير قطاع النظافة أصبح اليوم أحد أهم مؤشرات جودة العيش داخل المدن الكبرى، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالصحة العامة، والبيئة، وجاذبية الاستثمار، والصورة الحضرية للعاصمة الاقتصادية للمملكة.
نحو استعادة النسق الطبيعي
ورغم الصعوبات التي رافقت بداية المرحلة الانتقالية، تؤكد المؤشرات الميدانية أن الخدمات بدأت تستعيد تدريجيا وتيرتها العادية، مع مواصلة الشركات الجديدة تعزيز إمكانياتها البشرية واللوجستيكية، واستمرار التنسيق بين جماعة الدار البيضاء وسلطات الولاية لضمان تجاوز هذه المرحلة في أقرب الآجال.
وتبقى هذه التجربة بمثابة اختبار حقيقي لنجاعة نموذج التدبير المفوض، كما تشكل فرصة لإعادة تقييم منظومة تدبير المرافق العمومية، بما يضمن احترام الالتزامات التعاقدية، وحماية المال العام، وتحسين جودة الخدمات المقدمة لسكان العاصمة الاقتصادية.
