ليست كل المدن محظوظة بأن تجاور البحر، وليست كل السواحل تملك ذلك التنوع الطبيعي الذي يجعلها تنافس أجمل الوجهات السياحية في العالم. أما إقليم الجديدة، فقد حظي بثروة استثنائية تمتد على عشرات الكيلومترات من الشواطئ البكر، حيث يلتقي زرقة المحيط الأطلسي برمال ذهبية، ومنحدرات صخرية خلابة، وغابات وأراضٍ فلاحية، في مشهد طبيعي يجعل المنطقة واحدة من أغنى الوجهات الساحلية بالمغرب.
من يقصد شواطئ الجديدة يدرك أن الأمر لا يتعلق بمجرد فضاءات للاستجمام، بل بمنظومة سياحية وبيئية متكاملة، قادرة على أن تجعل الإقليم من أبرز الأقطاب السياحية بالمملكة، لو تم استثمار هذا الرصيد الطبيعي بالشكل الذي يستحقه.
ويمتد هذا الشريط الساحلي من شاطئ سيدي بوزيد، أحد أشهر الشواطئ المغربية وأكثرها استقطابا للمصطافين، مرورا بالحوزية وأمغاريقة وسيدي عابد وسيدي موسى والحرشان والغويركات، وصولا إلى الوليدية، التي تعد من أشهر الوجهات الساحلية بالمغرب بفضل بحيرتها الطبيعية ومؤهلاتها الإيكولوجية الفريدة.
ولم تأت هذه الشواطئ صدفة ضمن قائمة الوجهات المفضلة لعشاق البحر والرياضات المائية، فهي تتميز بجودة مياهها، واتساع فضاءاتها الرملية، وتنوع مناظرها الطبيعية، فضلا عن قربها من مدن كبرى مثل الدار البيضاء وسطات وآسفي، وهو ما يجعلها تستقطب آلاف الزوار خلال فصل الصيف.
غير أن هذه المؤهلات الطبيعية الهائلة تطرح، في المقابل، سؤالا جوهريا: هل يتم استثمار هذا الكنز الساحلي بالشكل الذي يليق به؟
فالواقع يكشف أن عددا من هذه الشواطئ ما زال يعاني من اختلالات متكررة، أبرزها ضعف البنيات التحتية، وغياب مرافق صحية كافية، ونقص مواقف السيارات المنظمة، إضافة إلى انتشار بعض مظاهر التلوث والنفايات في عدد من المواقع، خاصة خلال ذروة الموسم الصيفي.
كما يشكو زوار المنطقة من ضعف التشوير السياحي، وقلة الفضاءات الترفيهية والخدمات الموازية التي تجعل السائح يقضي مدة أطول بالإقليم، رغم أن المؤهلات الطبيعية قادرة على تحويل الجديدة إلى وجهة سياحية دولية على مدار السنة، وليس فقط خلال أشهر الصيف.
ويرى متابعون أن الاستثمار في الساحل الجديدي لا ينبغي أن يقتصر على استغلال الشواطئ، بل يجب أن يشمل تثمين الموروث التاريخي والثقافي للإقليم، وفي مقدمته مدينة الجديدة البرتغالية، المصنفة تراثا عالميا من قبل منظمة اليونسكو، إلى جانب المنتوجات المحلية، والسياحة الرياضية، والسياحة البيئية، وهو ما من شأنه خلق دينامية اقتصادية حقيقية وفرص شغل مستدامة لفائدة شباب المنطقة.
كما أن حماية هذه الثروة الطبيعية أصبحت اليوم مسؤولية جماعية، تتقاسمها الجماعات الترابية، والسلطات المحلية، والقطاعات الحكومية، والمجتمع المدني، والمواطنون أنفسهم، لأن الحفاظ على الشريط الساحلي لا يقل أهمية عن استثماره.
فالشواطئ ليست مجرد فضاءات للترفيه، بل هي رصيد اقتصادي وبيئي واستراتيجي، يحتاج إلى رؤية واضحة تقوم على التنمية المستدامة، وحماية البيئة البحرية، ومحاربة التلوث، وتأهيل البنيات الأساسية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والسياح.
لقد وهب الله إقليم الجديدة شريطا ساحليا يعد من بين الأجمل على مستوى المملكة، بل إن كثيرين يرون أن بعض مناظره الطبيعية تضاهي أشهر الوجهات العالمية. غير أن قيمة هذا الجمال لا تكتمل إلا بحسن التدبير، لأن الطبيعة وحدها لا تصنع التنمية، وإنما تصنعها الإرادة، والتخطيط، والاستثمار، وحماية هذا الإرث للأجيال القادمة.
واليوم، وأمام الرهانات السياحية الكبرى التي يعيشها المغرب، استعدادا لكأس العالم 2030، تبدو شواطئ الجديدة أمام فرصة تاريخية لتتحول إلى واجهة سياحية عالمية، شريطة أن تحظى بالعناية التي تستحقها، وأن يتم التعامل معها باعتبارها ثروة وطنية حقيقية، لا مجرد شريط ساحلي موسمي يستيقظ صيفا ويعود إلى الإهمال مع نهاية الموسم.
