مشروع المنطقة الصناعية بجماعة الغديرة.. رافعة اقتصادية واعدة لتعزيز جاذبية إقليم الجديدة
يشهد إقليم الجديدة خلال السنوات الأخيرة دينامية تنموية متسارعة، عكستها مجموعة من المشاريع الكبرى المرتبطة بالبنيات التحتية والتأهيل الاقتصادي، في مقدمتها مشروع إحداث المنطقة الصناعية بجماعة الغديرة، الذي يُرتقب أن يشكل محطة مفصلية في مسار تعزيز الاستثمار وخلق فرص الشغل على المستوى الترابي.
هذا المشروع الاستراتيجي، الذي واجه في بداياته عدداً من الإكراهات التقنية والمالية والإجرائية، تمكنت مختلف المتدخلين من تجاوزها بفضل جهود تنسيقية مكثفة، كان من أبرزها الدور الذي لعبه العامل السابق محمد سمير الخمليشي، الذي ساهم في الدفع نحو تعبئة الشركاء المؤسساتيين وإقناع مجلس جهة الدار البيضاء–سطات بالانخراط في تمويل هذا الورش التنموي الكبير.
وتبلغ المساحة الإجمالية للمنطقة الصناعية المرتقبة حوالي 257 هكتاراً، بكلفة مالية تناهز 971.3 مليون درهم، في مشروع ضخم يعكس الرهانات الاقتصادية الجديدة التي تراهن عليها الدولة لتعزيز تنافسية الأقاليم وجعلها أكثر جاذبية للاستثمار.
وقد ساهم مجلس جهة الدار البيضاء–سطات بـ200 مليون درهم، فيما تكفلت باقي الأطراف الشريكة، وفي مقدمتها وزارة الداخلية ووزارة الصناعة والتجارة، بتوفير الاعتمادات المالية المتبقية، في حين تولت الجماعة القروية للغديرة اقتناء الوعاء العقاري، الذي حددت له لجنة الخبرة سعراً يقارب 50 درهماً للمتر المربع.
ويندرج هذا المشروع ضمن رؤية وطنية شاملة تهدف إلى إعادة توزيع الخريطة الصناعية للمملكة، وتقريب المناطق الصناعية من المحاور اللوجستيكية الكبرى والموانئ والمراكز الحضرية الصاعدة، بما يعزز العدالة المجالية ويقلص الفوارق التنموية بين الجهات.
وتكتسي جماعة الغديرة أهمية استراتيجية خاصة، بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدد من الأقطاب الاقتصادية بجهة الدار البيضاء–سطات، ما يجعلها مؤهلة لتكون منصة مستقبلية لاستقطاب استثمارات وطنية وأجنبية في قطاعات متعددة، من الصناعة إلى الخدمات مروراً باللوجستيك والتخزين.
ويرى متتبعون أن هذا الورش من شأنه إحداث تحول نوعي في البنية الاقتصادية المحلية، من خلال خلق نسيج صناعي جديد قادر على تحريك عجلة التنمية بالإقليم، ورفع المداخيل الجبائية للجماعات الترابية، فضلاً عن توفير فرص شغل مباشرة وغير مباشرة لفائدة شباب المنطقة، وهو ما سينعكس إيجاباً على المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية للأسر.
غير أن نجاح هذا المشروع يظل، بحسب مهتمين بالشأن التنموي، رهيناً بمواكبته ببنيات تحتية حديثة، تشمل الطرق والتجهيزات الأساسية وشبكات الربط الكهربائي والمائي والرقمي، بما يستجيب لمتطلبات المستثمرين ويعزز من جاذبية المنطقة الصناعية المرتقبة.
وفي هذا السياق، يبرز دور عامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا، الذي يقود، وفق مصادر مطلعة، دينامية ميدانية لتسريع إخراج هذا المشروع إلى حيز التنفيذ، من خلال تتبع مختلف المراحل التقنية والإدارية، والعمل على ضمان انسجامها مع التوجهات التنموية الكبرى على مستوى الإقليم.
ويأتي في هذا الإطار ترؤسه لاجتماعات اللجنة التقنية المحلية المكلفة بدراسة مشروع تصميم التهيئة لجماعة الغديرة، الذي أعدته الوكالة الحضرية، في خطوة تعكس حرص السلطات الإقليمية على توفير الإطار التنظيمي والعمراني الملائم لإنجاح هذا الورش الصناعي.
وكان مقر جماعة الغديرة قد احتضن، بتاريخ 15 يناير 2026، اجتماعاً موسعاً حضره رئيس مجلس جهة الدار البيضاء–سطات، وعامل الإقليم، ومدير الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، ورئيس جماعة الغديرة، في لقاء يعكس مستوى الانخراط المؤسساتي المتعدد في دعم هذا المشروع الاستراتيجي.
ويؤكد هذا الزخم المؤسساتي أن مشروع المنطقة الصناعية بالغديرة لم يعد مجرد فكرة تنموية، بل تحول إلى ورش هيكلي متكامل يحظى بإجماع مختلف الفاعلين، في أفق تعزيز مكانة إقليم الجديدة كقطب اقتصادي واعد داخل جهة الدار البيضاء–سطات.
كما يعكس هذا التوجه رؤية تنموية جديدة تقوم على ربط الاستثمار بالتخطيط الترابي المندمج، وتثمين الموقع الجغرافي للإقليم، مع اعتماد مقاربة استباقية تجعل من التنمية الصناعية رافعة أساسية لتحقيق الإقلاع الاقتصادي المستدام.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن إقليم الجديدة مقبل على مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي، عنوانها الأبرز هو الانتقال من اقتصاد تقليدي محدود الأثر إلى منظومة صناعية حديثة قادرة على خلق القيمة المضافة وتعزيز التنافسية الترابية، بما ينسجم مع الرهانات الوطنية الكبرى في مجال التنمية المستدامة.
