الجديدة – الدار البيضاء: قطارات أم “رحلات معاناة” يومية؟
لم يعد الخط السككي الرابط بين الجديدة والدار البيضاء مجرد وسيلة نقل عادية، بل تحول في نظر عدد من مستعمليه إلى عنوان يومي للمعاناة، يطرح أكثر من علامة استفهام حول جودة الخدمات المقدمة، وحول مدى احترام كرامة المسافرين. تجربة ميدانية متكررة خلال هذا الأسبوع، وعلى امتداد ثلاث رحلات متفرقة، تكشف صورة مقلقة لواقع التنقل بين المدينتين، خصوصاً خلال فترات الذروة بعد الزوال.
من المحطة تبدأ المعاناة
بمجرد الوصول إلى محطة الدار البيضاء المسافرين (كازا فواياجور)، تبدأ أولى حلقات المشهد. طوابير طويلة أمام شبابيك التذاكر، في وقت لا يتم فيه تشغيل سوى عدد محدود منها، ما يخلق اختناقاً واضحاً. هذا الوضع لا ينعكس فقط على راحة المسافرين، بل يؤدي عملياً إلى ضياع رحلات كاملة على بعضهم، بسبب طول الانتظار واقتراب توقيت انطلاق القطار.
في زمن الرقمنة، حيث يُفترض أن تسهل الخدمات الإلكترونية عملية اقتناء التذاكر، لا يزال جزء مهم من المرتفقين يعتمد على الشبابيك، ما يفرض على المكتب الوطني للسكك الحديدية إعادة النظر في تدبير هذه المرحلة الأساسية من رحلة السفر.
داخل القطار… ازدحام يفوق الاحتمال
لكن المشهد الأكثر قسوة يبدأ بعد صعود القطار. مقاعد ممتلئة عن آخرها، ممرات مكتظة، ومسافرون يقفون لساعات بين العربات. الوضع يصل أحياناً إلى درجة تدافع غير مريح، خاصة بالنسبة للفئات الهشة: كبار السن، النساء، والمرضى.
ما يُفترض أن يكون وسيلة نقل منظمة، يتحول في هذه اللحظات إلى ما يشبه “نقل جماعي عشوائي على سكك”، حيث تغيب أبسط شروط الراحة. المقارنة التي يرددها بعض الركاب مع مشاهد قطارات مكتظة في دول أخرى لم تعد مبالغة، بل واقعاً يومياً على هذا الخط الحيوي.
أخطاء تقنية… وارتباك في التواصل
المفارقة التي تزيد من حدة الاستياء، ليست فقط في الاكتظاظ، بل أيضاً في الأخطاء التنظيمية والتقنية. من بين الوقائع التي أثارت استغراب المسافرين، إعلان عبر مكبر الصوت عن الوصول إلى محطة الجديدة، بينما القطار لم يتجاوز بعد محطة أزمور. خطأ بسيط في الظاهر، لكنه أدى إلى نزول بعض الركاب في المكان الخطأ، في مشهد يعكس خللاً في التواصل والتنسيق.
هذه الحوادث، وإن بدت معزولة، إلا أنها تضرب في العمق ثقة المسافرين في الخدمة، وتطرح تساؤلات حول جودة التأطير داخل القطارات.
تأخيرات وأعطاب… الوجه الآخر للمشكلة
ورغم أن الكثير من المسافرين أصبحوا “متعايشين” مع التأخيرات، إلا أن تكرارها، إلى جانب الأعطاب التقنية، يفاقم من حدة الأزمة. فالتأخير لا يعني فقط ضياع الوقت، بل يؤثر بشكل مباشر على التزامات مهنية وشخصية، خاصة بالنسبة للعمال والطلبة الذين يعتمدون يومياً على هذا الخط.
خط حيوي… بخدمات لا ترقى للتطلعات
الخط الرابط بين الجديدة والدار البيضاء ليس خطاً ثانوياً، بل يعد من بين المحاور الأساسية التي تربط مدينة ذات طابع صناعي وسياحي بالعاصمة الاقتصادية. آلاف المواطنين يستعملونه يومياً، ما يجعله شرياناً حيوياً يستوجب مستوى عالياً من الجودة والانضباط.
غير أن الواقع الحالي يكشف عن فجوة واضحة بين أهمية هذا الخط، ومستوى الخدمات المقدمة فيه. وهو ما يطرح بإلحاح ضرورة إعادة تقييم العرض السككي، سواء من حيث عدد الرحلات، أو طاقة الاستيعاب، أو جودة التأطير.
أين يكمن الخلل؟
الاختلالات المسجلة لا يمكن اختزالها في سبب واحد، بل هي نتيجة تداخل عدة عوامل:
- ضغط كبير على الخط خلال أوقات الذروة
- محدودية عدد العربات في بعض الرحلات
- ضعف تدبير تدفق المسافرين داخل المحطات
- نقص في التواصل الفعال داخل القطارات
- تأخر في مواكبة الطلب المتزايد على النقل السككي
هذه العوامل مجتمعة تخلق وضعاً متراكماً، يجعل من تجربة السفر مرهقة بدل أن تكون مريحة.
بين الأداء العمومي وانتظارات المواطنين
ما يزيد من حدة الانتقادات، هو أن المكتب الوطني للسكك الحديدية يُعتبر من المؤسسات العمومية التي شهدت استثمارات مهمة خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع إطلاق مشاريع كبرى كالبراق وتحديث بعض الخطوط.
لكن هذه الاستثمارات، رغم أهميتها، تطرح سؤال العدالة المجالية في توزيع جودة الخدمات. فبينما تستفيد بعض المحاور من خدمات متطورة، لا تزال خطوط أخرى، مثل الجديدة – البيضاء، تعاني من اختلالات واضحة.
نداء إلى المسؤولين
المسافرون لا يطالبون بالمستحيل، بل بأبسط شروط الكرامة:
مقعد للجلوس، احترام توقيت الرحلات، تنظيم محكم داخل المحطات، وتواصل واضح داخل القطارات.
تحسين هذا الخط لا يتطلب فقط استثمارات ضخمة، بل أيضاً قرارات تدبيرية عاجلة، مثل:
- تعزيز عدد العربات خلال أوقات الذروة
- تحسين تدبير الشبابيك وفتحها بشكل كافٍ
- تطوير أنظمة الإخبار داخل القطارات
- تشديد المراقبة لتفادي الاكتظاظ المفرط
كرامة المسافر ليست خياراً
ما يحدث على خط الجديدة – الدار البيضاء يعكس إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة المرفق العمومي بالمواطن. فحين يتحول السفر اليومي إلى معاناة، يصبح من الضروري دق ناقوس الخطر.
القطار ليس مجرد وسيلة نقل، بل هو خدمة عمومية يجب أن تحترم كرامة الإنسان. وبين طموحات التحديث التي يعلن عنها، وواقع بعض الخطوط، يبقى التحدي قائماً: كيف يمكن جعل كل رحلة تجربة إنسانية لائقة، لا “اختبار صبر” يومي؟
