إعادة فتح التسجيل الانتخابي… تعبئة شاملة تقودها الداخلية لتأمين اقتراع 2026 في أعلى درجات الشفافية
في منعطف حاسم من المسار التحضيري للاستحقاقات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026، دخلت الدولة مرحلة التنفيذ الفعلي لخارطة طريق انتخابية دقيقة، عنوانها الأبرز: توسيع قاعدة المشاركة، تشديد الرقابة على التمويل، وضبط الزمن الانتخابي منذ مراحله الأولى. وفي قلب هذه الدينامية، تقود وزارة الداخلية المغربية عملية تعبئة إدارية ومؤسساتية غير مسبوقة، لضمان تنظيم انتخابات توصف سلفًا بأنها “اختبار الثقة” بين المواطن والمؤسسات.
نافذة جديدة للتسجيل… ورهان على توسيع الهيئة الناخبة
القرار بفتح باب التسجيل من جديد في اللوائح الانتخابية ليس إجراءً تقنيًا فحسب، بل رسالة سياسية واضحة: لا إقصاء لأي مواطن من حقه في التصويت. ابتداءً من 15 ماي إلى 13 يونيو 2026، سيكون بإمكان غير المسجلين، ممن استوفوا شرط السن القانوني، الالتحاق بالهيئة الناخبة، سواء عبر المكاتب الإدارية المحلية أو من خلال المنصة الرقمية الرسمية.
هذا الانفتاح يمتد أيضًا إلى طلبات نقل القيد، بما يسمح للناخبين بتحيين معطياتهم وفق مكان إقامتهم الفعلي، في خطوة تهدف إلى تعزيز مصداقية اللوائح الانتخابية وتقليص الفوارق المجالية في نسب المشاركة.
أما الجالية المغربية بالخارج، فقد خُصصت لها مساطر مرنة، تُمكّنها من التسجيل عبر القنصليات أو عن بعد، في إشارة قوية إلى إدماجها الكامل في الاستحقاقات الوطنية، ليس فقط ككتلة رمزية، بل كفاعل انتخابي حقيقي.
تمويل تحت المجهر… ومراقبة متعددة المستويات
بالتوازي مع ذلك، تم إقرار منظومة جديدة لتدبير الدعم المالي العمومي المخصص للوائح الترشيح، تقوم على مبدأ الشفافية المسبقة والرقابة اللاحقة. فقبل صرف أي مبلغ، تُحال لوائح المستفيدين على المجلس الأعلى للحسابات، الذي يتولى التدقيق في مطابقة التصريحات المالية، في خطوة تهدف إلى تجفيف منابع المال غير المشروع.
عملية صرف الدعم نفسها أصبحت محكومة بإجراءات دقيقة، تبدأ بطلب رسمي من وكيل اللائحة، وتنتهي بتحويل بنكي داخل أجل محدد، ما يحد من أي تدخلات أو تأخيرات قد تؤثر على تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
هذه المقاربة تعكس تحولًا نوعيًا في تدبير المال الانتخابي، حيث لم يعد الأمر يقتصر على الدعم، بل يشمل أيضًا تتبع كيفية صرفه، وربطه بالمساءلة.
تنسيق حكومي يعكس إرادة سياسية موحدة
المرسوم المؤطر لهذه الإجراءات، والذي يحمل توقيع رئيس الحكومة عزيز أخنوش، إلى جانب عبد الوافي لفتيت ونادية فتاح، يكشف عن مستوى عالٍ من التنسيق بين المؤسسات المعنية.
هذا الانسجام لا يعكس فقط توزيعًا للأدوار، بل يعبر عن قناعة مشتركة بأن نجاح الانتخابات يتطلب تضافر الجهود، من التخطيط إلى التنفيذ، مرورًا بالمراقبة والتقييم.
الإدارة الترابية… من التنفيذ إلى الضمان
على المستوى الميداني، تتحول الإدارة الترابية إلى العمود الفقري لهذه العملية، حيث ستتولى اللجان الإدارية المحلية دراسة طلبات التسجيل ونقل القيد خلال فترة محددة، في إطار زمني دقيق يسبق موعد الاقتراع بعدة أشهر.
غير أن دور هذه الإدارة لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمتد إلى ضمان حياد العملية برمتها، من خلال الابتعاد عن أي تواصل غير مؤطر مع الفاعلين السياسيين، وتكريس مسافة واضحة بين السلطة والمرشحين.
في هذا السياق، يصبح احترام الحياد ليس فقط التزامًا قانونيًا، بل شرطًا أساسيًا للحفاظ على ثقة الناخبين في نزاهة المسار.
انتخابات تُبنى قبل يوم الاقتراع
ما تكشفه هذه الإجراءات هو أن انتخابات 2026 لا تُحضَّر فقط ليوم التصويت، بل تُبنى منذ الآن، عبر تفاصيل دقيقة تشمل اللوائح، التمويل، والتأطير القانوني. فكل مرحلة من هذه المراحل تمثل حلقة في سلسلة الثقة، التي إن انكسرت في جزء منها، تأثرت العملية برمتها.
ورغم هذا الإطار المتقدم، يبقى التحدي الأكبر في سلوك الفاعلين السياسيين، ومدى التزامهم بالقواعد، خاصة في ما يتعلق بالحملات السابقة لأوانها، وتقديم الوعود خارج الإطار القانوني.
بين النص والتطبيق… الامتحان الحقيقي
في نهاية المطاف، لا يكفي توفر القوانين لضمان انتخابات نزيهة، بل يتطلب الأمر إرادة جماعية لتطبيقها. وهنا، يبرز دور وزارة الداخلية المغربية كضامن لتفعيل هذه النصوص، عبر المراقبة والتدخل عند الضرورة، دون المساس بمبدأ الحياد.
الرهان اليوم يتجاوز مجرد تنظيم اقتراع، ليصل إلى إعادة بناء الثقة في الفعل السياسي، وترسيخ قناعة لدى المواطن بأن صوته يُحتسب في بيئة عادلة وشفافة.
وبين فتح باب التسجيل، وتشديد الرقابة، وتعبئة الإدارة، يبدو أن المغرب يسير نحو استحقاق انتخابي مختلف، قد يشكل محطة مفصلية في مسار ترسيخ الديمقراطية، إذا ما التقت الإرادة السياسية مع الممارسة المسؤولة على أرض الواقع.
