أزمور بين ذاكرة خضراء وتحول حضري جديد.. دعوات لإعادة التوازن بين التهيئة والفضاءات الطبيعية
تشهد مدينة أزمور خلال الفترة الأخيرة نقاشاً واسعاً حول التحولات التي مست بعض فضاءاتها العمومية، بعد إعادة تهيئة ساحة مركزية كانت لسنوات طويلة تشكل متنفساً أخضر للساكنة، قبل أن تتحول اليوم إلى فضاء مفتوح مكسو بالزليج، في مشهد حضري جديد يثير تبايناً في الآراء بين من يعتبره تطويراً عمرانياً، ومن يرى فيه فقداناً لجزء من الذاكرة البيئية للمدينة.
في هذا السياق، تبرز أهمية الإشارة إلى الجهود التي تبذلها السلطات الإقليمية، وعلى رأسها عامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا، في إطار دينامية تنموية أوسع تهدف إلى تأهيل الفضاءات الحضرية وتحسين جاذبية المدن التابعة للإقليم، عبر مشاريع تهيئة وتحديث البنية المجالية، مع محاولة الموازنة بين متطلبات العصر والحفاظ على هوية المجال.
من فضاء أخضر إلى ساحة حضرية مفتوحة
الساحة التي كانت لسنوات فضاءً أخضر يحتضن أشجاراً ظللت المكان، ومقاعد كانت تجمع العائلات في فترات المساء، إضافة إلى حضور معلم تاريخي رمزي يتمثل في المدفع القديم، عرفت اليوم تحولاً جذرياً بعد أشغال إعادة التهيئة.
فقد تم تحويلها إلى فضاء مفتوح مغطى بالزليج، يمنح انطباعاً بالاتساع والنظافة والتنظيم، لكنه في المقابل افتقد عنصر الظل والمساحات الخضراء التي كانت تشكل جزءاً من هوية المكان وذاكرته اليومية لدى الساكنة.
هذا التحول العمراني يطرح إشكالية متكررة في عدد من المدن المغربية، تتعلق بكيفية التوفيق بين تحديث الفضاءات العمومية من جهة، والحفاظ على عناصر الطبيعة والراحة البيئية من جهة أخرى.
أزمور.. مدينة بين التاريخ والحاجة إلى التنفس البيئي
تُعد أزمور مدينة ذات حمولة تاريخية وثقافية خاصة، تقع على ضفاف نهر أم الربيع، وتتميز بتراث عمراني وروح بحرية فريدة تجعل من الفضاءات الخضراء جزءاً أساسياً من توازنها البيئي والاجتماعي.
عدد من الفاعلين المحليين يرون أن الفضاءات الخضراء ليست مجرد عنصر تجميلي، بل هي “رئة المدينة”، وضرورية للحياة اليومية للسكان، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الحاجة إلى أماكن للراحة والاستجمام.
وفي هذا الإطار، يُعتبر فقدان بعض الأشجار أو تقليص المساحات الخضراء في مقابل توسيع الأرضيات الصلبة، تحولاً يحتاج إلى إعادة نظر من زاوية الاستدامة البيئية وجودة الحياة.
جهود العامل سيدي صالح داحا في تأهيل المجال الترابي
في المقابل، تندرج هذه المشاريع ضمن دينامية أوسع يشرف عليها عامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا، الذي يقود، وفق مقاربة تعتمد على التخطيط والتأهيل الحضري، مجموعة من الأوراش التنموية التي تستهدف تحديث البنيات التحتية للمدن التابعة للإقليم، وتحسين جاذبيتها الاقتصادية والسياحية.
وتقوم هذه الرؤية على إعادة تأهيل الفضاءات العمومية، وتجويد المشهد الحضري، وفتح المجال أمام مشاريع تساهم في إعادة تنظيم المجال الترابي بشكل أكثر انسجاماً مع متطلبات التنمية الحديثة.
غير أن هذا التوجه، رغم إيجابياته من حيث التنظيم والتجديد، يفتح في الآن ذاته نقاشاً مشروعاً حول ضرورة إدماج البعد البيئي بشكل أعمق داخل مشاريع التهيئة، لضمان عدم فقدان المدن لهويتها الطبيعية.
بين جمالية الزليج وغياب الظل
الفضاء الجديد في أزمور يعكس وجهاً حضرياً حديثاً، يتميز بالانفتاح والنظافة وسهولة الحركة، لكنه في المقابل يفتقر إلى عنصر أساسي في التصميم الحضري المستدام، وهو الغطاء النباتي.
فغياب الأشجار والظل يجعل من استعمال الساحة في فترات النهار، خاصة خلال فصل الصيف، أمراً صعباً، ما يقلل من وظيفتها الاجتماعية كفضاء للالتقاء والاستراحة.
هذا الوضع يعيد إلى الواجهة النقاش حول أهمية اعتماد مقاربات “التخضير الحضري”، التي تدمج بين البنية الصلبة (الزليج، الأرصفة، الساحات) والعناصر الطبيعية (الأشجار، الظلال، الحدائق).
نقاش بين التطوير والحفاظ على الذاكرة
التحول الذي عرفته هذه الساحة لا يمكن قراءته بمعزل عن الدينامية العمرانية التي تعرفها عدد من المدن المغربية، حيث يتم السعي إلى تحديث الفضاءات العمومية، أحياناً على حساب مكونات بيئية كانت تشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية للسكان.
وبين من يرى في هذه المشاريع خطوة نحو مدينة أكثر تنظيماً وعصرية، ومن يعتبر أن ذلك تم على حساب روح المكان، يبقى النقاش مفتوحاً حول النموذج الأمثل للتهيئة الحضرية.
نحو توازن بين التنمية والبيئة
تجربة أزمور اليوم تطرح سؤالاً مركزياً حول مستقبل الفضاءات العمومية: كيف يمكن تحقيق تنمية حضرية حديثة دون التضحية بالمساحات الخضراء التي تشكل جزءاً من جودة الحياة؟
وفي الوقت الذي تتواصل فيه جهود السلطات الإقليمية، بقيادة عامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا، لتأهيل الفضاءات الحضرية وتحديث البنية المجالية، يظل الرهان الحقيقي هو إيجاد توازن دقيق بين الحجر والشجر، بين الجمالية العمرانية والاستدامة البيئية، بما يحفظ للمدينة هويتها ويضمن في الوقت ذاته تطورها.
