في سياق التحولات التي تعرفها منظومة التعمير بالمغرب، دخلت سلطات إقليم الجديدة مرحلة جديدة عنوانها الصرامة في مواجهة البناء العشوائي، وذلك تنفيذاً لتعليمات عامل الإقليم سيدي صالح داحا، الذي شدد، في أكثر من توجيه ميداني، على ضرورة القطع مع كل أشكال التهاون التي طبعت مراحل سابقة، وفرض احترام صارم لقوانين التعمير، حمايةً للمجال الترابي وضماناً لتهيئة عمرانية متوازنة.
المعطيات الميدانية تفيد بأن السلطات المحلية، خاصة بجماعة مولاي عبد الله، باشرت تدخلات مكثفة تستهدف مختلف بؤر البناء غير القانوني، حيث تم مؤخراً توقيف شاحنة محملة بمواد البناء، وبعد التحقق من كونها موجهة لتغذية ورش عشوائي، جرى حجزها في إطار إجراءات ردعية تروم تجفيف منابع هذه الظاهرة، وهو تدخل يعكس تحولا واضحاً في طريقة التعاطي مع الملف، من مراقبة لاحقة إلى استباق عمليات البناء في مهدها.
ولا تقف هذه الحملات عند حدود الحجز والمراقبة، بل تمتد إلى عمليات هدم ميدانية للبنايات غير المرخصة، في إطار مقاربة شمولية تستهدف ليس فقط المخالفين، بل أيضاً الشبكات غير المنظمة التي تنشط في ترويج مواد البناء خارج الضوابط القانونية، حيث تؤكد مصادر محلية أن تعليمات العامل كانت واضحة بخصوص ضرورة استهداف المستودعات العشوائية التي تزود هذه الأوراش، باعتبارها حلقة أساسية في انتشار الظاهرة.
هذه الدينامية الجديدة تعكس إرادة قوية لإرساء قطيعة حقيقية مع إرث الماضي، الذي اتسم في فترات سابقة بتغول البناء غير القانوني وتراكم اختلالات عمرانية كلفت الدولة والمجتمع أثماناً باهظة، سواء على مستوى التخطيط الحضري أو توفير البنيات التحتية والخدمات الأساسية، وهو ما جعل من محاربة البناء العشوائي اليوم أولوية استراتيجية، تندرج ضمن رؤية أوسع لإعادة هيكلة المجال الترابي بالإقليم.
ويرى متتبعون أن استمرار هذه العمليات بنفس الوتيرة والصرامة، مع توسيعها لتشمل مختلف النقاط السوداء، كفيل بتطويق الظاهرة بشكل تدريجي، خاصة إذا ما تم تعزيزها بإجراءات موازية تشمل التوعية والتحسيس، وتبسيط مساطر الحصول على رخص البناء، وتوفير بدائل سكنية منظمة تستجيب لحاجيات الساكنة، لأن المقاربة الأمنية، رغم أهميتها، تحتاج إلى سند اجتماعي وتنموي لضمان فعاليتها على المدى البعيد.
في المحصلة، تبدو الجديدة اليوم أمام منعطف حاسم في تدبير ملف التعمير، حيث لم يعد هناك مجال للتسامح مع البناء العشوائي، في ظل تعليمات صارمة، وتعبئة شاملة لمختلف المصالح، ما يؤشر على مرحلة جديدة قوامها فرض القانون، وحماية المجال، ووضع حد لفوضى عمرانية طال أمدها.