حين يتحول الجهل بالقانون إلى عائق للتنمية.. هل يدفع إقليم الجديدة ثمن ضعف التكوين لدى بعض المنتخبين؟
في الوقت الذي يراهن فيه المغرب على تعزيز الجهوية المتقدمة وتطوير الحكامة الترابية وجعل الجماعات الترابية قاطرة حقيقية للتنمية المحلية، يبرز بإقليم الجديدة تحدٍّ لا يقل خطورة عن إشكالات التمويل أو ضعف البنيات التحتية، ويتمثل في محدودية التكوين القانوني والإداري لدى عدد من المنتخبين، وهو واقع أصبح ينعكس بشكل مباشر على جودة التدبير المحلي وعلى مستوى النقاش العمومي المرتبط بالشأن الجماعي.
فالمتتبع للمشهد المحلي بالإقليم يلاحظ أن عدداً من المنتخبين لا يزالون يجدون صعوبة في التمييز بين اختصاصات المؤسسات المختلفة، سواء تعلق الأمر بمهام رؤساء الجماعات أو اختصاصات المجالس المنتخبة أو الأدوار المنوطة بمصالح وزارة الداخلية وأقسام الجماعات الترابية التابعة للعمالة، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى خلط في المسؤوليات وإطلاق مواقف أو اتهامات تفتقد للسند القانوني والإداري.
أزمة فهم للاختصاصات قبل أن تكون أزمة تدبير
أصبحت بعض القضايا التي تثار داخل الساحة السياسية المحلية تكشف حجم هذا الخلل. فعندما تصدر قرارات مرتبطة بالتشطيب على بعض المنتخبين من اللوائح الانتخابية أو عندما يتم البت في ملفات مرتبطة بالأهلية القانونية للترشح للانتخابات الجماعية أو التشريعية، يسارع البعض إلى تحميل المسؤولية لجهات لا تملك أصلاً سلطة اتخاذ تلك القرارات.
وفي حالات متعددة، يتم توجيه الانتقادات إلى أقسام الجماعات الترابية التابعة للعمالة، رغم أن هذه الملفات تؤطرها نصوص قانونية دقيقة وتخضع لاختصاصات مؤسسات وإدارات محددة أو لقرارات تصدرها جهات قضائية وإدارية مختصة وفق المساطر الجاري بها العمل.
هذا الخلط لا يعكس فقط نقصاً في استيعاب المنظومة القانونية المؤطرة للعمل الجماعي، بل يساهم أيضاً في نشر مغالطات وسط الرأي العام المحلي، ويؤثر على جودة النقاش العمومي الذي يفترض أن يكون مبنياً على المعرفة الدقيقة بالقانون والمؤسسات.
التنمية لا تصنعها الميزانيات وحدها
ورغم أهمية الموارد المالية والمشاريع الاستثمارية والدعم الذي توفره الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، فإن التجارب التنموية الناجحة أثبتت أن العنصر البشري يظل المحدد الأساسي لأي مشروع تنموي.
فالتنمية المحلية لا ترتبط فقط بحجم الميزانية أو عدد المشاريع المبرمجة، بل تعتمد بالدرجة الأولى على وجود منتخبين قادرين على فهم القوانين واستيعاب آليات التدبير الحديث والتخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرار المبني على المعرفة والخبرة.
وفي ظل التحولات التي تعرفها الجماعات الترابية بالمغرب، لم يعد المنتخب مجرد وسيط بين المواطن والإدارة، بل أصبح فاعلاً أساسياً في وضع السياسات المحلية وتتبع المشاريع وتدبير الميزانيات وإبرام الشراكات ومراقبة تنفيذ البرامج التنموية.
ومن دون تكوين معرفي وقانوني كافٍ، يصبح من الصعب على المنتخب ممارسة هذه الاختصاصات بالكفاءة المطلوبة، وهو ما ينعكس سلباً على الأداء الجماعي وعلى جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
الأحزاب السياسية أمام مسؤولية تاريخية
ويجمع العديد من المتابعين للشأن المحلي على أن جزءاً من هذه الإشكالية يرتبط أيضاً بطريقة اختيار المرشحين وتزكيتهم داخل الأحزاب السياسية.
ففي عدد من المحطات الانتخابية، يطغى البحث عن الأعيان وأصحاب النفوذ والقدرة المالية على معايير الكفاءة والخبرة والتكوين، الأمر الذي يؤدي إلى وصول أشخاص إلى مواقع المسؤولية دون امتلاك الأدوات المعرفية والقانونية اللازمة لممارسة مهامهم بالشكل المطلوب.
وفي المقابل، تظل الكفاءات والأطر المؤهلة أحياناً خارج دوائر القرار السياسي، رغم ما تتوفر عليه من خبرات وقدرات يمكن أن تساهم في تطوير الأداء الجماعي وتحسين جودة التدبير المحلي.
لذلك، يرى العديد من المهتمين أن إصلاح منظومة الجماعات الترابية يجب أن يبدأ من داخل الأحزاب السياسية نفسها، عبر إعادة الاعتبار لمبدأ الكفاءة في التزكية والقطع مع بعض الممارسات التي جعلت الاعتبارات الانتخابية الضيقة تتغلب على متطلبات الحكامة الجيدة.
التكوين المستمر.. الحلقة المفقودة
ورغم المجهودات التي تبذلها وزارة الداخلية والمديرية العامة للجماعات الترابية في مجال التكوين والتأطير، فإن الحاجة ما تزال قائمة إلى برامج أكثر عمقاً واستمرارية تستهدف المنتخبين المحليين بمختلف مستوياتهم.
فالتحولات القانونية والمؤسساتية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة أفرزت منظومة تدبيرية معقدة تتطلب إلماماً دقيقاً بالقوانين التنظيمية للجماعات، وقواعد الصفقات العمومية، وآليات إعداد الميزانيات، والتخطيط الترابي، والحكامة المالية، وغيرها من المجالات التي أصبحت جزءاً من العمل اليومي للمنتخب.
كما أن ضعف التكوين يؤدي في أحيان كثيرة إلى تعطيل عدد من المشاريع أو الوقوع في أخطاء تدبيرية وإدارية قد تكون لها انعكاسات قانونية ومالية على الجماعات الترابية.
الجديدة بين طموحات التنمية وإكراهات التدبير
يعيش إقليم الجديدة على وقع أوراش تنموية مهمة ومشاريع اقتصادية كبرى تؤهله للعب أدوار متقدمة على المستوى الجهوي والوطني، غير أن تحقيق هذه الطموحات يظل رهيناً بوجود نخب محلية قادرة على مواكبة هذه الدينامية وفهم متطلبات المرحلة.
فالرهان اليوم لم يعد فقط على توفير الاعتمادات المالية أو إطلاق المشاريع، بل على بناء رأسمال بشري وسياسي يمتلك الكفاءة والخبرة والمعرفة القانونية الضرورية لتدبير الشأن المحلي بكفاءة وفعالية.
ولهذا، فإن الحديث عن التنمية المحلية بإقليم الجديدة لا يمكن فصله عن الحديث عن تأهيل المنتخبين وتطوير قدراتهم المعرفية والتدبيرية، لأن الجماعات القوية لا تُبنى فقط بالمشاريع والميزانيات، بل تُبنى أيضاً بنخب مؤهلة قادرة على تحويل الإمكانيات المتاحة إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.
نحو نخب أكثر كفاءة ومسؤولية
إن إصلاح منظومة التدبير الجماعي لم يعد خياراً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة تفرضها التحديات التنموية المتزايدة وانتظارات المواطنين المتنامية. ويتطلب ذلك وضع معايير أكثر صرامة في اختيار المرشحين، وتكثيف برامج التكوين والتأطير، وربط تحمل المسؤولية بالكفاءة والقدرة على العطاء.
فأخطر ما يمكن أن تواجهه الجماعات الترابية ليس ضعف الإمكانيات المالية فقط، بل وجود مسؤولين يفتقدون للمعرفة القانونية والإدارية التي تمكنهم من ممارسة مهامهم بكفاءة.
وفي النهاية، تبقى التنمية المحلية مشروعاً جماعياً يحتاج إلى مؤسسات قوية، وإدارة فعالة، ومنتخبين يمتلكون من الكفاءة والمعرفة ما يسمح لهم بقيادة التحول التنموي الذي تتطلع إليه ساكنة إقليم الجديدة، بعيداً عن الارتجال والخلط في الاختصاصات وسوء فهم القوانين المؤطرة للعمل الجماعي.
