أزمة النقل الحضري تخنق الجديدة.. صيف استثنائي يكشف هشاشة منظومة التنقل بالإقليم
مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تتحول مدينة الجديدة إلى واحدة من أكثر الوجهات الساحلية استقطاباً للمصطافين والزوار، غير أن هذا التدفق البشري الكبير يكشف، سنة بعد أخرى، أزمة حقيقية في منظومة النقل الحضري، لتصبح معاناة التنقل واحدة من أبرز الإشكالات التي تؤرق الساكنة والوافدين على حد سواء.
ففي الوقت الذي تعرف فيه المدينة ارتفاعاً ملحوظاً في عدد السكان خلال الموسم الصيفي، يبقى العرض في مجال النقل العمومي عاجزاً عن مواكبة هذا الطلب المتزايد، لتجد آلاف الأسر نفسها أمام طوابير طويلة في محطات الحافلات، وانتظار قد يمتد لعشرات الدقائق، في مشهد يتكرر يومياً ويطرح علامات استفهام حول جاهزية القطاع لمواجهة ضغط الموسم السياحي.
وتبرز أولى مظاهر الأزمة في أسطول الحافلات، الذي يرى عدد من المواطنين والفاعلين المحليين أنه لم يعد يستجيب لمتطلبات مدينة تعرف توسعاً عمرانياً وديمغرافياً متواصلاً. فإلى جانب محدودية عدد الحافلات العاملة، تعاني بعض العربات من التقادم والتهالك، وهو ما يؤثر على انتظام الرحلات وجودة الخدمة، ويزيد من معاناة الركاب، خاصة في فترات الذروة. كما شهدت الجديدة وأزمور مؤخراً اضطرابات في خدمة النقل الحضري بسبب إضراب المستخدمين، ما كشف هشاشة هذا المرفق الحيوي وأثر أي توقف على الحياة اليومية للسكان.
ولا تقف الأزمة عند الحافلات، بل تمتد إلى قطاع سيارات الأجرة الصغيرة، التي تعرف بدورها خصاصاً ملحوظاً خلال فصل الصيف. فبمجرد ارتفاع الطلب، يصبح العثور على سيارة أجرة مهمة شاقة، خصوصاً خلال ساعات المساء أو بالمناطق السياحية والشواطئ، ما يدفع العديد من المواطنين والزوار إلى الانتظار لفترات طويلة أو اللجوء إلى وسائل نقل بديلة.
وتزداد حدة الأزمة مع توسع المدينة وظهور أحياء جديدة تحتاج إلى ربط منتظم وفعال بشبكة النقل العمومي، في وقت ما تزال فيه بعض الخطوط غير قادرة على تغطية مختلف المجالات الحضرية بالشكل المطلوب، الأمر الذي يفرض مراجعة شاملة لخريطة النقل الحضري بما يواكب التحولات العمرانية التي تعرفها الجديدة.
كما أن الحركة الكثيفة التي تشهدها الشواطئ والمنتجعات السياحية، خاصة خلال عطلات نهاية الأسبوع، تضاعف الضغط على وسائل النقل، وتنعكس مباشرة على انسيابية التنقل داخل المدينة، لتتحول بعض المحاور الطرقية إلى نقاط اختناق مروري يومية.
ويؤكد خبراء في تدبير النقل الحضري أن الإشكال لا يرتبط فقط بعدد الحافلات أو سيارات الأجرة، بل يتطلب رؤية متكاملة تشمل تحديث الأسطول، وتحسين جودة الخدمة، وإعادة هيكلة الخطوط، واعتماد أنظمة حديثة لتدبير المواعيد واحترام توقيت الرحلات، بما يضمن خدمة عمومية تليق بمدينة ذات مؤهلات سياحية واقتصادية كبيرة. وتواجه مدن مغربية أخرى تحديات مشابهة تتمثل في تهالك الأساطيل وعدم كفاية العرض مقارنة بالطلب، خصوصاً في فترات الذروة والمواسم السياحية.
إن مدينة الجديدة، بما تتوفر عليه من شريط ساحلي متميز، ومؤهلات اقتصادية وسياحية، وميناء، ومؤسسات جامعية، تستحق منظومة نقل حضري حديثة تكون في مستوى مكانتها ودورها داخل جهة الدار البيضاء-سطات. فنجاح أي سياسة لتنشيط السياحة أو تشجيع الاستثمار يظل مرتبطاً أيضاً بوجود وسائل نقل آمنة، منتظمة، ومريحة.
وتبقى مسؤولية معالجة هذا الملف مسؤولية جماعية، تتقاسمها الجماعات الترابية، والسلطات الإقليمية، والجهات الوصية، والشركة المكلفة بالتدبير، من خلال وضع خطة استعجالية للموسم الصيفي، تقوم على تعزيز عدد الحافلات، وتجديد الأسطول، وتحسين تغطية الخطوط، وتوفير حلول عملية لتقليص فترات الانتظار، مع إعادة النظر في تنظيم قطاع سيارات الأجرة بما يضمن توازناً بين حقوق المهنيين وحق المواطنين في التنقل.
فالنقل الحضري ليس مجرد خدمة عمومية، بل هو شريان الحياة داخل المدن، وأحد المؤشرات الأساسية على جودة التدبير المحلي. وإذا كانت الجديدة تراهن على ترسيخ مكانتها كوجهة سياحية واقتصادية متميزة، فإن تطوير منظومة النقل لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة ملحة تفرضها انتظارات الساكنة ومتطلبات التنمية المستدامة.
