الجديدة بين ذاكرة الأمس ورهانات الغد.. هل ينجح العامل سيدي صالح داحا في إعادة الروح إلى جوهرة الأطلسي وعاصمة دكالة؟
تعيش مدينة الجديدة منذ سنوات على وقع نقاش متواصل حول واقع التهيئة الحضرية ومستقبل عدد من معالمها التاريخية والرياضية، في ظل تراكم اختلالات تدبيرية امتدت عبر مجالس جماعية متعاقبة، وأثرت بشكل واضح على صورة المدينة التي كانت لعقود إحدى أبرز الحواضر الساحلية بالمغرب، وواجهة سياحية واقتصادية يطلق عليها الكثيرون “جوهرة الأطلسي” و”عاصمة دكالة”.
وأعاد الجدل الدائر حول مصير القاعة المغطاة التاريخية بالجديدة النقاش إلى الواجهة بشأن العلاقة بين التهيئة الحضرية والحفاظ على الذاكرة الجماعية للمدينة، خاصة أن هذه المعلمة الرياضية ظلت لسنوات فضاءً احتضن أجيالاً من الشباب ومختلف الأنشطة الرياضية والتربوية، وشكلت جزءاً من الذاكرة الاجتماعية لعدد كبير من أبناء الجديدة.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن الأزمة التي تعيشها المدينة اليوم لا ترتبط فقط بمشروع بعينه أو بملف القاعة المغطاة وحده، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من التعثرات وسوء التدبير التي عرفها الإقليم خلال مراحل سابقة، سواء على مستوى البنيات التحتية أو التأهيل الحضري أو تدبير المرافق العمومية، ما جعل الجديدة تفقد تدريجياً جزءاً من بريقها ومكانتها الطبيعية كإحدى أهم مدن الساحل الأطلسي.
كما يعتبر فاعلون محليون أن المجالس الجماعية المتعاقبة تتحمل جزءاً من مسؤولية الوضع الحالي، في ظل غياب رؤية تنموية متكاملة قادرة على التوفيق بين تحديث المدينة والحفاظ على هويتها التاريخية والإنسانية، وهو ما ساهم في تراكم عدد من الملفات العالقة المرتبطة بالتعمير والتجهيزات الرياضية والمجالات الخضراء والخدمات الأساسية.
وفي خضم هذا النقاش، تتجه الأنظار اليوم نحو عامل إقليم الجديدة، سيدي صالح داحا، الذي يعلق عليه عدد من الفاعلين والساكنة آمالاً كبيرة من أجل إطلاق مرحلة جديدة قوامها إعادة ترتيب أولويات التنمية بالإقليم، وتسريع المشاريع المتعثرة، وإعادة الاعتبار لمدينة تملك مؤهلات اقتصادية وسياحية كبرى.
ويؤكد متابعون أن تعيين العامل الجديد جاء في مرحلة دقيقة تحتاج إلى مقاربة مختلفة تقوم على الإنصات للمواطنين، والتنسيق بين مختلف المتدخلين، وإطلاق أوراش تنموية حقيقية قادرة على إخراج الجديدة من حالة الجمود التي عاشتها خلال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، اعتُبر تأسيس الشركة المحلية للتنمية خطوة مهمة ضمن مسار إعادة هيكلة المدينة والجماعات الترابية التابعة للإقليم، حيث يرتقب أن تضطلع هذه المؤسسة بأدوار محورية في تنزيل مشاريع التهيئة والتأهيل الحضري وفق رؤية جديدة تعتمد النجاعة والسرعة في التنفيذ وربط التنمية المحلية بحاجيات الساكنة الفعلية.
كما تسعى السلطات الإقليمية، وفق متابعين، إلى بلورة مخطط تنموي جديد يواكب التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب، خاصة في ظل الاستعدادات الوطنية لتنظيم كأس العالم 2030، وهو الحدث الذي سيشكل فرصة استراتيجية لإعادة تأهيل عدد من المدن والبنيات التحتية وربطها بالدينامية الاقتصادية والسياحية الجديدة التي تنتظر المملكة خلال السنوات المقبلة.
وتبرز الجديدة ضمن المدن المرشحة للاستفادة من هذه الدينامية، بحكم موقعها الاستراتيجي قرب الدار البيضاء، وكونها تمثل متنفساً طبيعياً للعاصمة الاقتصادية، سواء من حيث السياحة الشاطئية أو الاستقرار والإقامة، خاصة مع توقع توافد أعداد كبيرة من الزوار والمشجعين وكبار الشخصيات خلال التظاهرات الدولية المقبلة.
ويرى مراقبون أن هذا المعطى يفرض على مختلف المتدخلين تسريع وثيرة التنمية بالجديدة، وإعادة تأهيل بنياتها التحتية ومرافقها الرياضية والسياحية والطرقية، مع الحفاظ في الآن ذاته على الذاكرة العمرانية والثقافية للمدينة، حتى لا تتحول مشاريع التحديث إلى مصدر لطمس الهوية المحلية أو إلغاء معالم ارتبطت بتاريخ أجيال كاملة.
وفي مقابل الأصوات المطالبة بالحفاظ على القاعة المغطاة كجزء من الذاكرة الرياضية للمدينة، يؤكد آخرون أن الجديدة تحتاج أيضاً إلى مشاريع تهيئة عصرية قادرة على إعادة جاذبيتها الاقتصادية والسياحية، وهو ما يفرض البحث عن حلول متوازنة تجمع بين التطوير والحفاظ على الموروث المحلي.
ويجمع عدد من الفاعلين على أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة لمستقبل الجديدة، خاصة في ظل وجود إرادة واضحة لدى السلطات لإطلاق أوراش جديدة وإعادة الاعتبار للإقليم، بما ينسجم مع الرؤية الوطنية الرامية إلى تقوية التنمية الترابية وتهيئة المدن المغربية لمواكبة التحولات الاقتصادية والسياحية الكبرى.
وبين ذاكرة مدينة تبحث عن الحفاظ على روحها، ورهانات تنموية تفرض تسريع وتيرة التحديث، تبقى الأنظار موجهة نحو قدرة مختلف الفاعلين على تحويل الجديدة من مدينة مثقلة بالتراكمات إلى قطب ساحلي حديث يستعيد مكانته كواحدة من أجمل مدن المغرب وأكثرها قابلية للاستثمار والتنمية.
